د. قاسم بن محمد الصالحي|
في مواسم الشتاء، حين يتهادى الصباح بلطفه، ويستعيد الهواء نقاءه الأول، يشعر الإنسان بأن فكرة السفر لا تحتاج دائماً إلى مطارات مزدحمة ولا إلى حقائب مثقلة بالاحتياجات. أحياناً يكفي أن نفتح نافذة القلب على ما يجاورنا، لنكتشف أن الوطن نفسه هو الوجهة الأقرب والأعمق، وأن المسافات التي أهملناها طوال العام تحمل من الدهشة أكثر مما تحمله المدن البعيدة. وهكذا يصبح الشتاء دعوة صامتة إلى سفر بلا حقائب؛ سفر نحو الأمكنة التي نمر بها كل يوم ولا نعرفها حقّ المعرفة.
في الداخل، حيث تتناثر القرى بين الجبال والسهول، وحيث تمتد الشواطئ مثل صفحات من الضوء، يكتشف المرء ثراءً مكثفاً لا يحتاج إلى تأشيرة ولا إلى ترتيبات مُرهِقة. يكفي أن يقرر الخروج من دائرة الروتين، ليجد أمامه بلداً واسعاً، تتنوّع فيه الجغرافيا كأنها لوحة تحرّكها الفصول. في هذا السفر، تتراجع فكرة الاستهلاك السريع لصالح تأمل أعمق؛ فكل طريق يروي حكاية، وكل موقع يفتح بابًا من ذاكرة الأرض.
ميزة هذا السفر أنه يعيد ترتيب علاقتنا بالمكان. حين نتجول في الداخل، نحن لا نتعرف على مناطق جديدة فحسب، بل نتعرف على أنفسنا في انعكاسها. نكتشف أننا كنّا نعبر هذه البلاد بعيونٍ مستعجلة، لا تملك الوقت لتلتقط التفاصيل. وعندما تمنحنا عطلة الشتاء لحظة تباطؤ، ندرك أن الجمال لم يكن غائباً؛ نحن الذين لم نكن نملك الهدوء الكافي لرؤيته.
والسياحة الداخلية، في جوهرها، فعل حياة قبل أن تكون نشاطاً ترفيهياً. فهي تحرك الأسواق الصغيرة، وتعيد الحيوية للمقاهي الشعبية، وتفتح أبواباً جديدة لأصحاب المشاريع الشبابية. إنها طريقة بسيطة لدعم الاقتصاد من أسفل، من الناس أنفسهم، دون انتظار مبادرات كبرى. وعندما يتحرك المجتمع نحو اكتشاف بلده، فإنه يخلق حركة اقتصادية ناعمة لكنها مستدامة، يتحقق أثرها في كل ولاية وقرية ومحافظة.
ولعل أجمل ما في هذا النوع من الرحلات أنها تُعيد بناء الروابط البشرية. فالطرق الطويلة تُنضج الحديث، والمشي في الجبال يُعيد للأصدقاء دفء صحبتهم، والجلوس قرب نار الشتاء يجعل العائلة أكثر قرباً. هناك مساحات لا تُمنح إلا في السفر، ومسافات لا نقطعها إلا بالمشاعر لا بالكيلومترات.
في هذا السياق، تتجاوز السياحة الداخلية كونها استراحة قصيرة من العمل؛ إنها ممارسة للهوية. كل زيارة لقلعة قديمة، أو متنزّه جبلي، أو شاطئ منسي، تعيد للإنسان جزءاً من ذاكرة المكان. وكلما ازدادت معرفته بجغرافيا بلده، ازداد انتماؤه لها. وهنا يكمن الجمال الحقيقي: أن يشعر المرء بأن وطنه ليس مجرد خارطة، بل تجربة يعيشها.
ومع كل رحلة شتوية، يعود المسافر بلا حقائب أثقل، بل بذاكرة أخف وطأة وأعمق أثراً. يعود وهو يدرك أن أجمل رحلاته كانت تلك التي لم تغادر حدود الأرض التي نشأ عليها، وأن بعض المسافات لا تحتاج إلى طائرات، بل إلى قلب يعرف كيف يرى.
إن السفر بلا حقائب ليس دعوة للابتعاد، بل للعودة؛ عودة هادئة إلى الوطن من زاوية جديدة. وفي زمن تتسارع فيه الحياة حتى يكاد الإنسان يفقد نفسه، يظل هذا النوع من السفر فرصة للالتقاط: التقاط المعنى، والتقاط الجمال، والتقاط اللحظات التي تصنع اتزان الروح.
ففي نهاية المطاف، ليست الرحلة هي التي تغيّر الإنسان؛ بل الطريقة التي ينظر بها إلى الطريق. وفي شتاء عُمان، يبدو هذا الطريق ممتلئاً بما يكفي لنسافر إليه.. دون أن نحمل سوى أنفسنا.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة