مقال| حين ينطق الحديد ويصمت الإنسان

د. قاسم بن محمد الصالحي|

نعيش اليوم في عصرٍ تتسابق فيه التكنولوجيا إلى تشكيل العالم أسرع مما تتشكل الأفكار في عقول البشر. عصرٌ لم يعد فيه الحديد صامتاً، ولا الزجاج مجرد نافذة، ولا الضوء مجرد إنارة؛ بل صارت الأجهزة تتكلم، والمنصات تفتي، والخوارزميات تقرر، والناس من خلفها يهرولون بين معرفة لم يدركوا عمقها بعد، وجهل يتخفّى في هيئة إدراك سريع.

لقد فتح لنا التقدم التقني أبواباً واسعة، لكنه فتح معها نوافذ للغبار. فالعالم الرقمي الذي منّ علينا بالوصول إلى المعرفة بضغطة زر، أهدى أيضاً المنابر لمن يعلم ومن لا يعلم، حتى تساوى المنطق مع الصراخ، وتمازجت الحكمة مع الانفعال، وأصبح كل من امتلك هاتفاً أو حساباً أو منصة يعتبر نفسه أهلًا للكلام في الطب والفكر والدين والسياسة والاقتصاد، ولو لم يمضِ من عمره في العلم ساعةً واحدة.

إن التكنولوجيا لم تخلق الجهل، لكنها كشفت مستواه الحقيقي حين أخرجته إلى العلن ووضعت له مكبرات صوت تخترق العالم. لم يعد الفرق بين العالم وغير العالم في مساحة المعارف، بل في القدرة على مقاومة غواية الادعاء. فالعالم يدرك حدود ذاته، ويعرف أين يقف، بينما الجاهل لا يرى حدًا أمامه، ويتصور أنه كلما تكلم أكثر بدا أعلم، وكلما تصدّر المشهد بدا أقرب إلى الحقيقة.

وفي هذا الزمن المتسارع، بات العقل يطلب استراحة قصيرة بعدما أثقلته وفرة المعلومات. فالتكنولوجيا التي وعدت الإنسان بالراحة جعلته في سباق دائم مع الأخبار التي لا تنتهي، والآراء التي تتكاثر كالفطر، والحقائق التي صارت تحتاج إلى فحص أكثر من المعادلات العلمية. والنتيجة أننا أمام عالم يتقدم تقنيًا لكنه يتراجع في عمق الفهم والقدرة على التمييز بين الصوت والعصف.

غير أن هذا العصر، رغم اضطرابه، يمنح فرصة نادرة لمن يحسن القراءة بين السطور. فالتكنولوجيا ليست شراً خالصاً ولا خيراً مطلقاً؛ هي أداة، بوسعها أن ترفع شأن مجتمع أو تهوي به، وفق من يتولى قيادتها: العقلاء أصحاب البصائر، أم المتصدرون من غير علم ولا روية. وفي لحظات الغموض هذه، يظهر الفرق الحقيقي بين من يمتلك معرفة راسخة وبين من يمتلك فقط رغبة جامحة في الظهور.

إن المعركة اليوم ليست بين الإنسان والآلة كما يظن البعض، بل بين العقل والادعاء، بين المعرفة الحقيقية والمعرفة المزيفة، بين الوعي وبين تكدّس المعلومات دون فهم. وإذا لم نحصّن أنفسنا بالتأمل والتفكير النقدي وإعادة الاعتبار لصوت العلماء وأهل التخصص، فسنجد أننا سلمنا زمام المستقبل لأولئك الذين يتحدثون فقط لأن التكنولوجيا منحتهم منبرًا، لا لأن عقولهم منحتهم حق الكلام.

وفي نهاية المطاف، يبقى عصر التكنولوجيا شاهداً على حقيقة واحدة: أن الإنسان لا يقود الزمان بكثرة ما يكتب أو ينشر، بل بقدرته على التفكير، على التثبت، وعلى احترام العلم. وما لم نعد الاعتبار لهذه القيم، سيظل صوت العصف أعلى من صوت العقل، مهما امتلأت أيدينا بأحدث الأجهزة وأذكى التطبيقات.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*