د. قاسم بن محمد الصالحي|
في هذا المساء الوطني البهيّ، لا تُشعل عُمان أنوارها لتحتفل بالزينة والأعلام، بل لتروي للعالم قصة أمةٍ عرفت كيف تصنع من التاريخ فكرة، ومن الفكرة دولة، ومن الدولة فلسفةً عابرةً للقرون.
مئتان وواحد وثمانون عامًا مرّت منذ أن التف العمانيون حول الإمام أحمد بن سعيد في لحظةٍ فارقةٍ من وعي الأمة، فاختاروا أن يؤسسوا دولتهم بالعقل لا بالسيف، وبالإجماع لا بالانقسام، وبالإرادة لا بالإملاء. منذ تلك اللحظة، بدأت الحكاية التي لم تتوقف بعد.
كانت عُمان آنذاك خارجةً من مدٍّ وجزرٍ في تاريخها، تبحث عن اتزانٍ يعيد إليها روحها البحرية والبرية معًا. فكانت الدولة البوسعيدية الإجابة العميقة عن سؤال البقاء: كيف نحيا دون أن نذوب؟ وكيف ننفتح دون أن نفقد جوهرنا؟
ولأنها وُلدت من رحم الحكمة، ظلت هذه الدولة عصيّة على الانكسار. البحر كان نافذتها إلى العالم، والبرّ كان سندها في الداخل، وبينهما ظلّ الإنسان هو المركز الذي تدور حوله السياسة والاقتصاد والثقافة. من صحار ومسقط إلى زنجبار وكلكتا، كانت الأشرعة العمانية تحكي قصة وطنٍ لا يكتفي بالوجود، بل يصنع أثره بصمتٍ نبيل.
لم تكن عُمان يومًا دولة مغامرة ولا منسحبة، بل كانت تمارس السياسة كما يمارس الحرفيّ صناعته: بدقةٍ وصبرٍ وإتقان. وعندما تبدلت الأزمنة، لم تتبدل الفكرة. فالدولة البوسعيدية، رغم تغيّر الظروف والأجيال، ظلت تحافظ على ثلاث ركائز: الشرعية التي تستمد قوتها من التاريخ، والعقل الذي يدير التوازن بين الداخل والخارج، والانفتاح الذي لا يُفقد الهوية.
وفي عهد جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم، حفظه الله ورعاه، تتجدد تلك الفلسفة بوعيٍ حديثٍ يستوعب متغيرات العالم دون أن يفرّط في ثوابته. فـ«رؤية عُمان 2040» ليست مجرد خريطةٍ اقتصادية، بل امتدادٌ لتلك الفلسفة العمانية العريقة التي ترى في التنمية مشروعًا فكريًا قبل أن يكون عمرانيًا، وفي الإنسان قيمةً قبل أن يكون أداة.
إن العيد الوطني الـ281 ليس رقماً يُضاف إلى ذاكرةٍ ممتدة، بل لحظة تأملٍ في كيف استطاعت هذه الأمة الصغيرة مساحةً، الكبيرة فكرًا، أن تحافظ على استمرارية دولتها وسط عالمٍ تغيّرت فيه خرائط الممالك والإمبراطوريات.
لقد علّمت عُمان المنطقة أن الهدوء ليس ضعفاً، بل ذكاء، وأن الصمت قد يكون أبلغ من الخطب، وأن البناء البطيء هو الأرسخ أثرًا من الحركات السريعة التي تذروها الرياح.
وفي هذا العيد، لا تحتفل عُمان بالزمن الماضي بقدر ما تحتفي بقدرتها على البقاء فكرةً مضيئة في الحاضر والمستقبل.
فمنذ قرونٍ طويلة، وهي تمضي على دربٍ واحدٍ رسمته البوسعيدية: درب الحكمة، والاعتدال، والإنسان.
عُمان لا تعيش في التاريخ.. بل التاريخ هو الذي يعيش فيها.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة