د. قاسم بن محمد الصالحي|
ليس في قول النبي ﷺ «استفتِ قلبك وإن أفتاك الناس وأفتوك» دعوةً إلى الفوضى أو التمرد على أهل العلم، كما يظنّ البعض، بل هو توجيهٌ رفيع إلى جوهرٍ أعمق: إحياء البصيرة في مواجهة الهوى، وإعمال الضمير في مساحات الحياة اليومية المتعددة. فالقلب هنا ليس مجرد مستودعٍ للعاطفة أو الانفعال، بل هو ميزان فطري للعقل الناضج، ومرشد للضمير المستنير، يوازن بين ما يخدم الحق والمصلحة، وما يغذّي النزعة الشخصية أو الانفعال اللحظي.
في واقعنا اليوم، تتعدد المواقف وتتقاطع المصالح؛ في المعاملات الاقتصادية، وفي الاجتماعات الاجتماعية، وفي الإدارة اليومية، وحتى في القرارات الشخصية. وهنا تظهر أهمية استفتاء القلب؛ فهو أداة لإعادة ترتيب الأولويات، ومقاييس لتقييم القرار قبل تنفيذه.
فالاستفتاء للقلب ليس استحداثاً لفتوى فردية، ولا استبدالاً للعلم بالذوق، بل هو حوار داخلي واعٍ بين المبادئ والأفعال، بين النظرية والتطبيق، بين الاجتهاد الشخصي واحترام القواعد الأساسية.
القلب المستفتى هو قلب صادق، لا أسير للهوى، ولا متعالٍ عن المشورة، إنه يستمع للعقل، ويزن الرأي الآخر، ويعيد النظر في الاختلافات بين المدارس الفقهية أو بين النظريات الفكرية والاجتماعية، ليخرج القرار متوازناً وعادلاً. إنه يعلّم الإنسان أن لا يرفض النصوص أو الآراء المخالفة، بل أن يضعها في ميزان القيم، ليصل إلى القرار الذي يحمي المصلحة ويحقق العدل.
وفي ضوء الوعي الديني المعاصر، يصبح استفتاء القلب علامة على النضج الإيماني والإنساني؛ فكما يحتاج الاقتصاد إلى ضمير، والإدارة إلى عدل، والاجتماع إلى رحمة، يحتاج القرار اليومي إلى قلبٍ صادقٍ يسمع صوته الداخلي بوضوح ويزنه بالقيم والمبادئ، لا بالأهواء أو الانفعالات. فبهذا، يتحوّل القلب من مرشد صامت إلى أداة قيادية في الحياة اليومية، تقود الإنسان لاتخاذ القرارات الصائبة، وتحفظه من الانجراف وراء الرغبات العابرة أو الضغوط المحيطة.
والحكمة العملية في هذا أن يبدأ كل يومٍ بسؤال القلب: هل هذا القرار يخدم الحق والعدل والمصلحة العامة، أم أنه مجرد استجابة للهوى والارتجال؟.
حين يعتاد الإنسان على هذا السؤال، يصبح كل فعل، مهما صغر أو كبر، خطوةً مدروسة نحو الاستقامة والسعادة والنجاح الحقيقي. كل اجتماع يصبح فرصة للتفاهم والتوازن، كل معاملة فرصة لتطبيق القيم، وكل قرار اقتصادي أو إداري فرصة لبناء الثقة والنزاهة.
باختصار، استفتاء القلب ليس ترفاً روحانياً أو مجرّد شعور عابر، بل أساس في هندسة الحياة اليومية. هو ما يربط النظرية بالواقع، والمبادئ بالممارسة، ويحوّل الفكرة إلى عمل، والانفعال إلى قرار، والوعي إلى فعل. ومن يمارس هذه البصيرة، يعيش حياة متكاملة؛ متوازنة في قراراته، عادلة في معاملاته، حكيمة في تعامله مع الآخرين، وقادرة على التكيف مع تحديات الحياة المتعددة دون أن تخضع للهوى أو الضغوط العابرة.
وهكذا، يصبح قلب الإنسان ميزاناً، وحكماً داخلياً، وشريكاً في كل خطوة، يضيء الطريق، ويؤسس لكل فعلٍ معنى، ولكل قرار قيمة، ولكل يومٍ حياةً متكاملة في وعينا وإيماننا وعملنا.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة