د. قاسم بن محمد الصالحي|
في كل عام، لا يكتفي الوطن بأن يتنفس إنجازاته، بل يراجع أنفاسه أيضاً.. ومن بين مؤسسات الدولة، يطلّ جهاز الرقابة المالية والإدارية للدولة كصوتٍ هادئٍ لكنه حازم، يحدّث المجتمع بلغةٍ تجمع بين الصدق والأرقام، بين الملاحظة والإصلاح، بين المسؤولية والشفافية، إنه حديث الضمير الوطني في صورة تقريرٍ سنوي، لكنه في جوهره مرآة عامٍ كامل من العمل العام.
حين نشر الجهاز ملخص المجتمع لتقريره السنوي لعام 2024م، لم يكن الأمر مجرد استعراضٍ لإحصاءات أو كشفٍ لتجاوزات، بل كان إعلانًا جديدًا لنهج الدولة في الوضوح والمساءلة، واعترافاً بأن الرقابة ليست نهاية المطاف، بل بداية الإصلاح.. فالتقرير في مضمونه ليس وثيقة ملاحظات بقدر ما هو منهاج وطني لتحسين الأداء، يُسائل المؤسسات، ويحفّزها، ويذكّرها أن المال العام أمانة، وأن المنصب تكليف، وأن الثقة لا تُمنح إلا لمن يحسن حفظها.
الرقابة هنا ليست خصماً لأحد، بل صديقًا مخلصًا للوطن، فهي حين تكشف خللاً، إنما تفعل ذلك لتسدّ الثغرات، وحين ترصد تجاوزاً، فإنها تحمي من الانزلاق.. وبذلك يتحوّل الجهاز من جهة فحصٍ وتدقيق إلى منارة وعيٍ مجتمعي، تزرع في الناس قناعة أن النزاهة ليست شعاراتٍ تُرفع، بل سلوكٌ يومي يبدأ من الفرد وينتهي بالمؤسسة.
لقد أصبح نشر ملخص التقرير خطوة متقدمة في إشراك المجتمع في معرفة أين يقف الوطن في إدارة موارده، وأين ينبغي أن يتقدّم. فالشفافية التي يعتمدها الجهاز ليست واجباً إدارياً فحسب، بل رسالة تثقيفية تُربّي المواطن على المساءلة الإيجابية، وتمنحه الثقة بأن الدولة تحاسب نفسها قبل أن تُحاسَب.
وفي عامٍ تتسارع فيه مشاريع التنمية وتتعاظم التحديات، يأتي تقرير الجهاز كوثيقة توازن بين الطموح والانضباط، بين الاندفاع في البناء والحذر في الإنفاق، ليبقى الوطن متماسكاً على قاعدة العدل والنزاهة، لا تهزّه أخطاء العابرين، ولا تُغريه أضواء الأرقام دون حقائق الأداء.
وإذ يواصل جهاز الرقابة المالية والإدارية للدولة أداء رسالته، فإنه يسير بخطى واثقة في انسجامٍ تام مع رؤية عُمان 2040، التي جعلت من الحوكمة والنزاهة والشفافية ركائزَ لتحقيق التنمية المستدامة. فالرؤية لا تُبنى على الطموح وحده، بل على الرقابة الواعية التي تضمن استدامة الثقة بين المواطن والدولة، وتحوّل المساءلة من واجبٍ قانوني إلى ثقافة وطنية راسخة.
هكذا، حين يتحدث جهاز الرقابة، فهو لا يدوّن الماضي فقط، بل يرسم طريق المستقبل، ففي كل ملاحظةٍ يكتبها، نبضٌ من نبض الوطن يقول: إن الدولة التي تراقب ذاتها، هي التي تضمن لنفسها البقاء والازدهار.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة