مقال | حين يُزهر الشتاء

د. قاسم بن محمد الصالحي| 

“في الفصول لا تُقاس الحرارة فقط، بل يُقاس الأثر الذي تتركه في الوجدان”. في الوقت الذي تكتفي فيه بعض البلدان بعدّ فصول السنة على الورق، كانت عُمان تكتب فصولها بالروح. فحين يهبّ الشتاء، لا تتوارى خلف الغيوم، بل تُشعل دفئها في المدن والقرى، وتفتح ذراعيها للمواسم والمهرجانات والناس الذين يأتون من كل صوب بحثاً عن شيءٍ لا يُقاس بدرجات الحرارة، بل بدرجات الألفة.

في شتاء عُمان، تستيقظ الأرض على موسيقى الألوان؛ من أسواق نزوى العتيقة إلى شواطئ صور الهادئة، ومن قمم ظفار الممطرة إلى صحارى هيما والوسطى الممتدة بلا نهاية. كل محافظة تكتب حكايتها الخاصة في كتاب الوطن، وكل ولاية تضيف سطراً جديداً إلى الرواية الكبرى التي عنوانها: دفء المكان وروح الإنسان.

ليست المواسم الشتوية مجرد فعالياتٍ ترفيهية، بل مشروع وطني لإعادة توزيع الضوء. حين تتوزع الفعاليات بين المحافظات، يتوزع معها الحضور والرزق والفرص، فيتحول الوطن كله إلى ساحةٍ واحدة، لا مركز فيها ولا هامش. الأسواق تنتعش، الحرفيون يبتسمون، والمقاهي القديمة تمتلئ بالحكايات من جديد. إنه الاقتصاد حين يتنفس بثقافة المكان، والتنمية حين تتحدث بلسان الناس.

وفي عمق هذه الرؤية يكمن وعيٌ إداري جديد؛ أن المواسم ليست إنفاقاً على الفرح، بل استثمار في الإنسان. فكل فعالية تُقام هي دورة حياةٍ صغيرة تُحرّك السوق، وتُنعش المهن، وتُعيد للأماكن نكهتها التي كادت تُنسى. إنها أيضاً دعوة مفتوحة لأن يشارك الجميع – المجالس، والبلديات، ورواد الأعمال، والأسر المنتجة، والشباب – في صياغة الفعل السياحي لا كمشاهدين، بل كصانعين.

وهنا تبرز فلسفة الشتاء العُماني؛ أن التنمية ليست أبراجاً من إسمنت، بل دفءٌ يُزرع في تفاصيل الحياة. فمن خلال المهرجانات، تنمو الهوية كما تنمو الأشجار في الصحراء؛ ببطءٍ، لكن بثبات. تتعلم المدن كيف تُصغي إلى قراها، والقرى كيف تفتح أبوابها للعالم، ليصبح الجمال مورداً، والموروث طاقةً، والمكان معنىً حيّاً للحياة.

ومن قلب هذا المشهد، تنبع الرؤية الأعمق؛ أن عُمان ليست وجهةً شتوية فحسب، بل تجربة إنسانية متكاملة. فيها يلتقي الجبل بالبحر، والتاريخ بالحاضر، والفكر بالتنمية. وفي كل فعالية تُضاء، ثمة رسالة غير مكتوبة تقول: إن الفصول يمكن أن تُصبح خططاً وطنية، وإن الفرح يمكن أن يكون سياسة عامة، وإن الإنسان – في نهاية المطاف – هو أجمل استثمار للوطن.

فشتاء عُمان ليس موسماً عابراً، بل منهج تفكير في إدارة الحياة، وحين تغدو السياحة فعل وعي، والمواسم منصات تفاعل، والولايات جسور لقاء، يصبح الوطن كياناً حياً يتنفس بالتنوع، ويتجدد بالإبداع، ويزدهر بروح المشاركة.

وفي هذا الدفء الممتد من مسندم حتى ظفار، تهمس عُمان للعالم بلغةٍ لا تُترجم: “هنا، الفصول ليست نهاية العام… بل بدايته”.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*