د. قاسم بن محمد الصالحي|
“في عالمٍ تتنازع فيه الأصوات وتضيع الحقائق بين صخب الشعارات، ينهض الخطاب العُماني بملامح مختلفة؛ حضورٌ هادئ، رمزية ضاربة في الجذور، وقولٌ صادق يجعل الكلمة مرآة للمبدأ لا أداة للمزايدة”.
في زمنٍ تتشظى فيه الأصوات وتضيع المعاني بين صخب الشعارات وتقلب المواقف، يطل الخطاب السياسي العُماني بهدوئه المهيب، كنسمة بحرٍ تأتي من بعيد لتذكرنا أن في العالم من لا يزال يزن الكلمة بميزان الذهب، ويضع القول في موضعه الصحيح قبل أن يُطلقه إلى الأسماع والقلوب.
الحضور في السياسة ليس ضجيجاً ولا استعراضاً، بل هو أثر يبقى في الذاكرة وطمأنينة تستقر في النفوس. وحضور عُمان، منذ عقود، هو حضور العاقل الذي لا يغيب عن المشهد، ولا يتورط في معارك الاستهلاك، بل يختار توقيته بدقة، وموضع كلمته بعناية، فلا تراه في الزحام المتكاثر، بل في لحظة الصمت التي يحتاج إليها العالم ليصغي لصوت الحكمة.
أما الرمزية، فهي الوجه الآخر للحضور، حيث يتكئ الخطاب على تاريخٍ طويل صنع من عُمان جسورًا لا متاريس، ومرافئ للسلام لا منصات للحروب. رمزية مستمدة من بحرها الذي حمل سفنها إلى أصقاع الأرض، ومن جبالها التي علمت أبناءها الصبر والصلابة، ومن مجتمعها الذي وجد في التوازن قيمةً لا تتزعزع، حتى صار الخطاب انعكاسًا للهوية: متأصلًا في القيم، متفتحاً على العالم، ثابتًا على مبدأ.
لكن تاج هذا الثالوث هو القول الصادق، ففي زمنٍ تتلون فيه الكلمات كما تتلون الرمال في العواصف، يظل القول العُماني مستقيمًا لا اعوجاج فيه. صدقٌ لا يعرف المواربة، ولا يختبئ خلف زخارف الكلام، بل يخرج من القلب إلى القلب، ومن المبدأ إلى الفعل.. والصدق هنا ليس فضيلة أخلاقية فحسب، بل هو أيضاً حصانة سياسية ومجتمعية؛ إذ يحمي الداخل من اختراق المؤثرات الخارجية، ويجعل المجتمع أكثر مناعة أمام محاولات التلاعب والضغط.
إن من يتأمل المشهد من حولنا يرى كيف تعصف الرياح بالإقليم: صراعات تتجدد، خرائط يعاد رسمها، تحالفات تُبنى اليوم لتتفكك غدًا.. ومع ذلك، يظل الخطاب العُماني متوازنًا كالبحر في مدّه وجزره؛ يتفاعل مع الأمواج، لكنه لا يفقد عمقه، وينفتح على الرياح، لكنه لا يتخلى عن مساره.. إنها قراءة واعية للمحيط، وإدراكٌ أن بقاء البيت الداخلي متماسكًا هو الركيزة التي ينطلق منها أي حضور خارجي مؤثر.
ومن اجتماع الحضور والرمزية والصدق، تتشكل رسالة عُمان إلى العالم: أننا لسنا في سباق على المواقف، ولا في مزاد على الشعارات، بل في رحلة بحثٍ عن السلام العادل، والاستقرار الراسخ، والقول الذي يضمد لا القول الذي يجرح.. وهكذا، يغدو الخطاب السياسي العُماني ليس مجرد أداة للتواصل، بل صورةً حية لوطنٍ حصين من الداخل، محصّن من الخارج، يحمل إلى العالم صوته المميّز: هادئاً، عميقاً، وصادقاً.
“ومن هذا المزيج بين الحضور والرمزية والصدق، يخرج الوطن أكثر ثباتًا، والشعب أكثر اقتناعاً، والخطاب أكثر وزناً؛ رسالة عُمان إلى العالم ليست مجرد كلمات تُقال، بل جوهر موقف يُحترم ويستمر عبر الأزمان”.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة