مقال | عُمان.. حين تتعانق القيم مع القوانين فتولد الحصانة

د. قاسم بن محمد الصالحي| 

في المجتمعات التي تتقاذفها المؤثرات الخارجية، وتتباين فيها الولاءات بتباين المصالح، يظل المجتمع العُماني مثالاً نادراً على توازنٍ راسخ بين الأعراف المتوارثة والقوانين المكتوبة، وهو توازن منح هذا الوطن حصانة طبيعية من الانزلاق وراء ما يضعف نسيجه الداخلي أو يربك مساره الوطني.

لقد نشأ العُماني على قيم راسخة تشكّلت عبر القرون؛ قيم تقوم على الوفاء بالعهد، واحترام الكبير، وصون الكرامة، وإغاثة المحتاج. وهذه القيم ليست مجرد عادات اجتماعية، بل هي أطر أخلاقية تسري في تفاصيل الحياة اليومية، وتغدو بمثابة قانون غير مكتوب، يُهذّب السلوك ويصون الحقوق حتى قبل أن تنص عليها المواد واللوائح. وحين جاءت القوانين الحديثة، وجدت أرضاً خصبة تتجذر فيها، فلم تكن دخيلة ولا ثقيلة، بل جاءت امتداداً لما استقر في النفوس من التزام ذاتي.

إن المجتمع العُماني، بهذا الانسجام بين القيم والقوانين، يعيش ما يمكن تسميته بالصحة القانونية؛ أي التوافق التام بين ما يحكمه من نصوص تشريعية، وما يسكن وجدانه من أعراف. وهذا ما يفسّر استقراره وهدوءه، وقدرته على إدارة التحولات بسلاسة، بعيداً عن الانقسامات التي تفتك بمجتمعات أخرى. فحيث يغيب التوازن، ينشأ الصراع بين النص والواقع، بينما في عُمان يتعانق النص مع الواقع، ويعزز أحدهما الآخر.

وما يزيد هذه المنظومة قوة هو أن المجتمع العُماني محصّن بطبيعته من المؤثرات الخارجية؛ فهو لا ينجرّ بسهولة وراء تيارات عابرة أو صراعات دخيلة، لأنه يملك مرجعيات قيمية ثابتة، تعصمه من الانبهار بما يُشاع، أو الانسياق وراء ما يُراد فرضه من الخارج. لقد أثبت التاريخ القريب والبعيد أن العُماني، حين يتعامل مع العالم، يظل محتفظاً ببوصلته الوطنية، يستفيد من الجديد دون أن يتنازل عن أصالته، وينفتح على الآخر دون أن يسمح له باختراق ثوابته.

وهكذا، يتأكد أن القانون في عُمان ليس مجرد نص يُفرض، بل هو انعكاس لقيم تُمارس، وأن الأعراف ليست مجرد عادات عابرة، بل هي ركيزة صلبة تمنح المجتمع حصانته وخصوصيته. وفي هذا التلاقي بين الموروث والحديث، بين الضمير الحي والنص القانوني، تتجلى عُمان كأنموذج متفرّد يثبت أن التنمية المستدامة لا تُبنى على الاقتصاد وحده، بل على قوة الإنسان، وصفاء وجدانه، وصلابة قيمه.

وفي قلب هذه المعادلة، يظل الشباب العُماني هو الامتداد الحي لهذه القيم، والضمانة الحقيقية لاستمرار هذا التوازن. إنهم حملة الأمانة وورثة الأصالة، وفي أيديهم اليوم أن يصوغوا الغد بروح متجددة، تمزج بين انفتاحٍ واعٍ على العالم وتمسكٍ راسخ بجذور الهوية. ولعل رسالتهم الكبرى أن يُثبتوا أن الالتزام ليس عبئاً يفرض، بل شرف يُصان، وأن القانون ليس قيداً، بل طريقٌ يحمي مسيرة النهضة، فيتواصل عهد الوفاء جيلاً بعد جيل، وتظل عُمان حصينةً بأبنائها، قويةً بقيمها، متجددةً بروحها.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*