مقال | تجارب مدينية من مسقط: من الإدارة الحضرية إلى الدبلوماسية الثقافية

د. بهمن اکبري| 

تمثل مدينة مسقط، عاصمة سلطنة عُمان، نموذجاً بارزاً للجمع بين التنمية الحديثة والحفاظ على الهوية التاريخية والثقافية. تعتمد هذه الدراسة على الملاحظات الميدانية والتجربة المعيشة للباحث في مسقط، حيث تستعرض أنماط الإدارة الحضرية والسياسات الثقافية للمدينة، وتقارنها بمدينة طهران، مع تحليل لإمكانات تكييف بعض التجارب العمانية الناجحة في السياسات الحضرية الإيرانية. كما تناقش الدراسة الدور الفاعل للثقافات الإيرانية الحاضرة في عمان، والقدرات الكامنة في الدبلوماسية الحضرية والثقافية.

وتشير الدراسات في مجال الإدارة الحضرية والدبلوماسية الثقافية إلى “أن المدن الكبرى لم تعد مجرد فضاءات للعيش الاجتماعي، بل أصبحت ميادين للتنافس في بناء الهوية، والاستثمار، والحَوكمة “. وفي هذا السياق، تُعدّ مسقط ـ على الرغم من حجمها السكاني المحدود ـ مدينة ذات نفوذ إقليمي يمكن أن تُقدّم نموذجاً مقارناً مفيداً.

تمتزج مسقط بالعمارة البيضاء المتناسقة مع المناخ الحار والرطب مع الأبراج الحديثة، ما يعكس حرصها على الحفاظ على التراث التاريخي جنباً إلى جنب مع التنمية. أما النسيج الاجتماعي فيتسم بالتعددية، حيث يسكنها عمانيون أصيلون إلى جانب جاليات آسيوية وإفريقية وإيرانية، وهو ما أسس لفضاء تعايش سلمي ومتوازن.

أما من منظور الإدارة الحضرية، فتُسجَّل عدة نقاط محورية:

نظام نقل حضري منظم يتناسب مع عدد السكان.

تخطيط حضري متوافق مع الخصائص المناخية.

اهتمام واضح بالبيئة والاستدامة، بما في ذلك إدارة السواحل والفضاءات الخضراء.

تعزيز جودة الحياة الحضرية من خلال التركيز على الطمأنينة الاجتماعية.

ويمكن تصنيف أبرز مبادرات مسقط في ثلاثة محاور رئيسة:

1. حماية التراث الثقافي بالتوازي مع تنمية السياحة؛ حيث نجحت عمان في ربط السياحة المستدامة بالهوية التاريخية.

2. تعزيز الهوية الوطنية العمانية في العمارة والفضاءات العامة، بما يجعل المشاريع الحديثة ذات صلة بالرموز المحلية.

3. الدبلوماسية الثقافية والتعايش الاجتماعي؛ حيث برزت قدرة مسقط على احتضان ثقافات متعددة، منها حضور الثقافة الإيرانية الحية في عمان.

4. المقارنة مع طهران

إن مقارنة مسقط مع طهران ـ رغم اختلاف الظروف ـ تقدم نتائج بالغة الأهمية:

أوجه التشابه: تواجه كلتاهما تحديات النمو الحضري وإدارة الكثافة السكانية والحفاظ على الهوية التاريخية.

أوجه الاختلاف: تعاني طهران من ضغط سكاني هائل، وتلوث بيئي، وضغوط اقتصادية وسياسية؛ بينما استفادت مسقط من استثمارات موجهة لتُحقق توازناً نسبياً بين التنمية والهوية.

5. إمكانات التكييف مع طهران

تقدم تجربة مسقط عدة دروس يمكن الإفادة منها في السياق الإيراني:

– إدماج البُعد الثقافي والاجتماعي في سياسات التنمية.

– إدارة التنوع الاجتماعي وتعزيز التعايش متعدد الثقافات.

– التركيز على جودة الحياة والطمأنينة الاجتماعية، وليس فقط على التنمية المادية.

– الاستفادة من الدبلوماسية الحضرية في التفاعل مع المدن الإقليمية.

تثبت تجربة مسقط أن التنمية الحضرية لا تعني بالضرورة الابتعاد عن التراث الثقافي، بل يمكن تحقيق توازن بين الأصالة والمعاصرة عبر سياسات اجتماعية وبيئية متوازنة. بالنسبة إلى طهران، يمكن لهذه التجربة أن تكون مصدر إلهام.

التوصيات الأساسية لصناع القرار الحضري في طهران:

1. إعادة النظر في المشاريع العمرانية مع مراعاة البعد التراثي.

2. تعزيز التعاون الإقليمي في إطار الدبلوماسية الحضرية.

3. الاهتمام بالعدالة المكانية ورفع جودة الحياة للمواطنين.

4. توظيف التكنولوجيا الحديثة في إدارة النقل والبيئة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*