د. قاسم بن محمد الصالحي|
وقف على ضفاف بحر عُمان، يتأمل الأمواج وهي تتلاطم برفق وعنف في آنٍ واحد، كما لو كانت تهمس له أن العالم لا يتوقف عن الحركة. شعر بأن خارطة القوى الكبرى تتحرك كأخطبوط هائل، أربع رؤوس تراقب كل خطوة، وأذرع لا تُحصى تمتد لتشمل كل مجال في الحياة: الاقتصاد، السياسة، الإعلام، التقنية، والفضاء الثقافي.
لم يكن المنظر يخيفه، لكنه أيقظ في داخله شعوراً بالمسؤولية، لم يعد بإمكانه الاكتفاء بالمراقبة أو الانتقاد، ولم يعد وقت المقارنات مع الآخرين، اللحظة الحالية هي التي تصنع المستقبل، والعمل هو ما يمنح القوة.
تذكر تاريخ وطنه، كيف استطاع أبناء عُمان عبر القرون مواجهة الأمواج والتحديات، كيف جعلوا من الصبر والإبداع منهجاً، ومن التوازن بين الداخل والخارج أسلوب حياة. تذكر أن القوة الحقيقية ليست في الشكوى، بل في المبادرة، في أن يكون المرء جزءاً من الحل لا مجرد مراقب.
تخيل نفسه، ومعه أصدقاؤه الشباب، مجتمعاً متكاملاً يربط بين المعرفة والعمل والإبداع، حيث تصبح المدارس والمكتبات وحلقات العمل فضاءات لتوليد أفكار جديدة، ويصبح البحث والإنتاج أدوات حقيقية للتقدم. مجتمعاً متماسكاً، يعتنق التعاون ويحول التنوع إلى قوة، ويمنع الفرقة التي قد تفتت المجتمع. مجتمعاً منتجاً، يعزز الاقتصاد المحلي عبر المشاريع الصغيرة والحرف والصناعات المتجددة، ويمنح الشباب ثقة في قدراتهم ويخلق فرصاً حقيقية للبناء والتطوير.
نظر حوله، ورأى شباباً آخرين يجلسون على الصخور، بعضهم يكتب، بعضهم يخطط، بعضهم يشارك أفكاراً عبر هواتفهم المحمولة. تذكّر أن المستقبل لا ينتظر من يتخاذل، وأن كل فكرة صغيرة قد تتحول إلى مشروع، وكل مشروع ناجح يبدأ بخطوة بسيطة وقرار جريء.
الأخطبوط العالمي لن يتوقف عن الحركة، لكن الأذرع الممتدة ليست لعنة، بل اختبار لقدرة الإنسان على التكيف والابتكار. كل تحدٍ هو دعوة لتطوير الذات، كل صعوبة فرصة لإظهار الإرادة، وكل فكرة جديدة قوة تُضاف إلى رصيد الوطن.
رفع رأسه، تنفس بعمق، وابتسم، المستقبل ليس هدية تُنتظر، بل ثمرة تُصنع بالعلم والعمل والمبادرة. اليوم، وغداً، وكل يوم، هو فرصة جديدة للشباب العماني ليكونوا قلب الوطن النابض، وعقله الواعي، ويديه القادرة على البناء والتغيير. كل فعل مهما بدا صغيراً يقترب بهم خطوة نحو نهضة متجددة، ويجعل من عمان، كما كانت دائماً، منارة حيوية وسط أذرع العالم الممتدة.
وعلى ضفاف البحر، حيث تعكس الأمواج ألوان الشمس الذهبية، شعر أن المسؤولية ليست على الدولة وحدها، ولا على المؤسسات فقط، بل على كل شاب وشابة، وكل مواطن قادر على التفكير والعمل والإبداع. أن يجعلوا من كل يوم، ومن كل فكرة، ومن كل مشروع، رسالة قوة وحياة، رسالة تحدٍ وفرصة، ورسالة عُمان الحية التي تكتب تاريخها بوعي الشباب وحركتهم المستمرة.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة