د. قاسم بن محمد الصالحي|
منذ عقود، اعتادت الدبلوماسية العُمانية أن تسير على خيط رفيع بين العواصف، فلا تُستفز إلى اندفاعٍ غير محسوب، ولا تستسلم لجمود يترك الساحة فارغة. وفي محيط يموج بالصراعات، اختارت سلطنة عُمان أن تجعل من الحياد الفاعل مدرسة، ومن التهدئة فناً، ومن الحوار جسراً يحمي المنطقة من الانزلاق إلى مواجهات عبثية. إنها حكمة تُدرك أن الأمن لا يُبنى على لحظة الغضب، بل على صبرٍ طويل وقرارات متأنية تحفظ ماء الوجه وتصون الاستقرار.
في الأزمات الكبرى، تتسابق الأصوات المطالبة بالتصعيد والردّ الفوري، كأنما لا دواء للجرح إلا بجرحٍ مثله، غير أنّ دروس التاريخ القريب والبعيد تؤكد أن التهور طريق قصير نحو صدام أوسع، وأن الدبلوماسية، ببرود أعصابها وحكمة حساباتها، قادرة على أن تحوّل لحظة الانفجار إلى فرصة لإعادة رسم التوازن.
الضربة التي طالت مقراً لحركة فلسطينية في الدوحة، بما حملته من صدمة للرأي العام وخشية على السيادة، ليست حدثاً عابراً، لكنها أيضاً ليست نهاية المطاف. فالسياسة لا تُبنى على الانفعال وحده، بل على إدراك أن الانفعال، مهما كان مشروعاً، إن لم يُضبط قد يجرّ ما لا طاقة لأحد به. هنا تحديداً يظهر دور الدبلوماسية: أن تُحوّل الغضب إلى موقف، والجرح إلى قضية، والحادثة إلى منبر دولي يرفع الكلفة على المعتدي ويحصّن الدولة من تكرار الخرق.
الدبلوماسية فعلٌ قبل أن تكون ردّ فعل؛ هي بناء الجسور حتى مع من يهوى هدمها، وهي تثبيت البدائل قبل أن يفرض الواقع خياراته الضيقة. وفي الوقت نفسه هي ردّ محسوب، يعرف كيف يصوغ الإدانة في لغة القانون الدولي، وكيف يحشد التأييد الإقليمي والدولي، دون أن يسمح للخصم بأن يجرّ المنطقة إلى مواجهة واسعة لا رابح فيها.
إن التهدئة ليست ضعفاً، بل هي صورة أخرى من القوة؛ فالقوي ليس من يشعل الحرب، بل من يمنعها وهو قادر عليها. وفي عالم يموج بالتحولات، لا شيء أثمن من القدرة على لجم الصدامات الكبرى وصون الاستقرار، ولو كان الثمن صبرًا يثقل النفوس.
وهنا تأتي الرسالة إلى الشعوب: أن تثق بأن الصبر في لحظة الغضب هو مفتاح النصر على المدى الأبعد. ولنا في سيرة الرسول ﷺ عبرة؛ فقد عاش بين اليهود في المدينة، وتعامل معهم بعهود ومواثيق، رغم علمه بما يخفونه من عداء، ورغم ما بدر منهم من خرق للعهود. لكنه لم ينجرّ إلى ردود الفعل العاطفية التي تهدم ولا تبني، بل واجه بالغلبة حين وجب، وبالصفح حين اقتضت المصلحة، لتبقى الدولة الناشئة قوية مستقرة لا تجرها الخصومات إلى فوضى بلا نهاية.
اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، نحن أحوج إلى خطاب يجمع لا يفرّق، يفتح أبواب القانون والدبلوماسية قبل أن يطرق أبواب النار والدمار. إنها معادلة شاقة، لكنها السبيل الأجدى للحفاظ على الكرامة والسيادة، ولمنع شرارة محدودة من أن تتحوّل إلى حريقٍ لا يترك وراءه إلا الرماد. فالسياسة الحكيمة ليست فنّ الرد السريع، بل فنّ إطفاء النيران قبل أن تلتهم البيوت.
وفي نهاية المطاف، ستبقى قيمة التهدئة مثل نسيمٍ بارد يعقب عاصفة، يمنح النفوس راحة، ويعيد للقلوب الطمأنينة، ويذكّرنا بأن الغاية ليست الغلبة على الخصم بقدر ما هي الغلبة على الفوضى، لنورث أبناءنا شرقاً أكثر أماناً، وعالماً أقل اضطراباً.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة