د. قاسم بن محمد الصالحي |
جلس أمام حصن السويق، ينظر إلى الميناء الحديث، حيث تصطف السفن وتتحرك الرافعات، وتتلون الأمواج بألوان الأفق. تذكر حكاية الفرضة التي قصها له والده عن الأيام التي كان فيها الميناء مجرد كومة من الحجارة والخشب، وعن شباب عُمان الذين لم يملكوا سوى العزيمة ليحوّلوا كل تحدٍ إلى فرصة، وكل صعوبة إلى درس.
ذلك المشهد أمامه أصبح رمزاً حياً لسوق العمل في بلاده؛ نصفه استقرار وأمان، نصفه تجدد وفرص، النصف الأول هو القطاع الحكومي؛ بيت الطمأنينة الذي احتضن أجيالاً من الشباب، حيث الراتب مضمون والخدمات مستقرة، والنصف الثاني هو القطاع الخاص؛ فضاء الفرص التي تنتظر من يعرف كيف يزرع ويحصد، من يجرؤ على الإبداع والمغامرة.
أدرك أن السؤال ليس أيهما أفضل، بل كيف يصنع الشاب العُماني من الاثنين جناحين يرفعان الوطن، فالقطاع الحكومي اليوم يحتاج أن يكون أكثر مرونة وتنظيماً، وأن يهيئ الأرضية للشباب ليطلقوا مشاريعهم، بينما القطاع الخاص يحتاج أن يحتضن الطاقات الوطنية ويحولها إلى مشاريع واقعية ومستدامة.
وهنا يأتي دور رؤية عُمان 2040؛ بوصلته التي ترشد الشباب، وتحدد مسار التوازن بين استقرار الوظائف الحكومية وحرية الابتكار في القطاع الخاص. الرؤية تعلم أن المهارات الجديدة، وريادة الأعمال، والمشاريع الصغيرة والمتوسطة، والتكنولوجيا الحديثة ليست رفاهية، بل أدوات لتحقيق النمو، وتحويل التحديات إلى فرص حقيقية.
تخيل الشاب نفسه بين الميناء والحصن، يرى سفنه الصغيرة تتحرك بثقة وسط الأمواج. تذكر خريجين طوروا مهاراتهم، وأصحاب مشاريع بدأوا بمحلات صغيرة، وحوّلوا أفكارهم إلى واقع ملموس، ومنحوا بذلك فرصاً للآخرين، وأثروا السوق المحلي. كل ذلك رسالة له: المستقبل لا يُصنع بالتذمر، بل بالإقدام والعمل والابتكار.
فالموج الذي يندفع على رصيف الميناء يعلمنا درساً واحداً: لا شيء ثابت، ولا نجاح يُهدي بلا جهد. الوطن لا يُبنى إلا بسواعد شبابه حين يفهمون أن رؤية 2040 ليست مجرد كلمات، بل خارطة طريق، وفرصة لتوازن جناحي سوق العمل، وبناء مجتمع قادر على مواجهة التحديات وتحويلها إلى فرص، لتظل عُمان دائماً منارة في عالم متغير.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة