مقال| المجتمعات وحاجتها إلى النقاهة في الهوية

يكتبه: د. قاسم بن محمد الصالحي |

الهويات مثل الأجساد، تُنهكها الصدمات وتُرهقها الأزمات، فتحتاج إلى نقاهة تستعيد بها توازنها قبل أن تواصل المسير. وفي عصرٍ تتوالى فيه التموجات، من أزمات اقتصادية وبطالة شبابية ضاغطة، إلى غزو رقمي يقتحم تفاصيل الحياة اليومية، ومن اضطرابات ثقافية عابرة إلى صراعات سياسية طارئة، تبدو الهوية الجمعية في أمسّ الحاجة إلى فسحة استراحة، تُعيد إليها وعيها بذاتها، وتمنحها القدرة على مواجهة هذه الموجات دون أن تفقد أصالتها.

والمجتمع العُماني، الذي تشكل عبر قرون من التفاعل مع البحر والبر، ليس بمنأى عن هذه التحديات. فقد كان العُمانيون تجاراً في الشرق وإفريقيا، لكنهم ظلوا رسوخاً في جبالهم وسهولهم. واليوم، يتكرر المشهد بصور جديدة؛ شبابٌ يفتحون نوافذهم على العالم الافتراضي، لكنهم يواجهون في واقعهم تحديات البحث عن العمل، وضغوط التغير الاجتماعي. هنا تتجلى الحاجة إلى “نقاهة في الهوية” تُمكّن الجيل الجديد من أن يقرأ ماضيه ليُضيء مستقبله، وأن يفهم أن التمسك بالذات ليس عائقاً، بل مصدر قوة في خضم التنافس العالمي.

النقاهة في الهوية لا تعني انغلاقاً ولا جموداً، بل وقفة تعافٍ، تُعيد ترتيب الأولويات، وتُحصّن المجتمع ضد الانجراف في السيولة العمياء أو التصلب الجامد. وهي أيضا إدراك عميق بأننا مهما بلغنا من رسوخ في الذات، فإننا بحاجة إلى الآخر، لا بوصفه خطراً يُهددنا، بل شريكاً يُكملنا. فالهويات لا تزدهر في عزلة مطلقة، بل في تفاعل صحي يُبقيها يقظة ومتجددة. ولعلّ الدور العُماني في الوساطة الدولية خير شاهد؛ فسلطنة عُمان لم تنغلق على ذاتها، ولم تتخلَّ عن هويتها، لكنها جعلت من أصالتها وعراقتها جسراً نحو الآخر، لتكون وسيطًا نزيهًا يُقرّب بين المتخاصمين ويُعزز لغة الحوار في عالم تمزقه الصراعات. تلك ليست سياسة فقط، بل انعكاس لهويةٍ لا تكتمل إلا بالآخر.

إن شبابنا بحاجة إلى هذه الرؤية المتوازنة، ليدركوا أن التحديات الطارئة ليست نهايات، بل امتحانات. وأن هويتهم حين تستريح قليلاً إنما تستعيد طاقتها. كما قال جلالة السلطان هيثم: «إن التمسك بقيمنا وثوابتنا وهويتنا العُمانية هو السبيل إلى بناء حاضرٍ قويٍ ومستقبلٍ واعد». وهو تمسك لا يلغي الآخر، بل يمنحنا الثقة لننفتح عليه دون خوف أو فقدان.

فلنمنح هويتنا إذن نقاهة تليق بتاريخنا، لا لتجعلنا نغلق أبوابنا، بل لنفتحها ونحن أكثر وعياً بذواتنا. نقاهة تجعل شبابنا قادرين على مواجهة البطالة بالابتكار، والرقمنة بالوعي، والانفتاح بالعقل الراسخ. فهي الوقاية من الانكسار، والبوصلة في زمن تتشابك فيه الطرق، والوسيلة الوحيدة لنكون لأنفسنا وللعالم في آن واحد.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*