مقال | حين يغادر المقعد صاحبه

يكتبه: د. قاسم بن محمد الصالحي| 

في حياة المجتمعات، هناك لحظات تتوقف فيها عقارب الوقت عند مشهد إنساني مؤثر؛ موظف يغادر مكتبه للمرة الأخيرة، يحمل صندوقاً صغيراً يضم بقايا أيامه، ويمضي نحو باب الشركة وقد ترك خلفه سنوات من الجهد والأمل. هذه ليست حكاية فردية، بل صورة تختصر أزمة المسرّحين عن العمل، التي باتت تطرق أبوابنا بصمت، لكنها تحمل في داخلها أسئلة كبرى عن مستقبل العمل والاستقرار.

التسريح ليس مجرد فقدان لوظيفة، بل هو فقدان لإيقاع الحياة المعتاد، وتبدّل في صورة الغد. كثيرون يواجهونه بشيء من الصدمة، لكن الأهم هو كيف نستقبله نحن، كمجتمع ودولة. فإما أن نراه جداراً يسد الطريق، أو نافذة نطل منها على أفق جديد.

الواقع يقول، إن أسباب هذه الظاهرة متشابكة، تحولات اقتصادية عالمية، تقلبات أسعار النفط، إعادة هيكلة مؤسسات، وتطور تكنولوجي يغيّر ملامح المهن. أما أثرها فيمتد من المطبخ العائلي إلى ثقة المجتمع بنفسه، ومن دفاتر الحسابات إلى دفاتر القلوب.

لكن المأمول ليس مستحيلاً، يمكننا أن نحول هذه الأزمة إلى جسر عبور نحو سوق عمل أكثر مرونة، وأن نعيد صياغة العلاقة بين الوظيفة والإنسان، عبر برامج تدريبية تعيد تأهيل الكفاءات، وصناديق دعم انتقالي تحفظ الكرامة، وسياسات تشغيل تمنح فرصا للعمل الجزئي أو الحر، نستطيع أن نحافظ على تماسك النسيج الاجتماعي ونخفف وقع الفقد.

ولأن البطالة تحمل معها أحيانا قلقاً اجتماعياً أكبر من أرقامها، فإن معالجة البعد النفسي والإعلامي لا تقل أهمية عن الحلول الاقتصادية. الشفافية في المصارحة، والإعلام البنّاء الذي يسلط الضوء على قصص النجاح، والدعم النفسي الذي يمدّ المسرّح بيد الأمل، كلها أدوات تحمي المجتمع من الانكسار المعنوي.

هذه ليست مهمة جهة واحدة، بل هي مشروع وطني يتقاسم أعباءه الجميع؛ الدولة التي تضع السياسات، القطاع الخاص الذي يشارك في الحل، والمجتمع المدني الذي يمد الجسور بين الناس والعمل.

في النهاية، قد لا نستطيع أن نمنع الموجة من القدوم، لكننا نستطيع أن نعلّم أنفسنا كيف نسبح فيها.. فالاستقرار الحقيقي ليس أن تبقى الأشياء كما هي، بل أن نمتلك القدرة على التكيّف مع ما يأتي، وتحويل الامتحان إلى درس، والخسارة إلى بداية جديدة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*