يكتبه: د. قاسم بن محمد الصالحي|
نحن، أنتم، هؤلاء، أولئك، كلماتٌ تبدو للسامع عادية، لكنها ما تلبث أن تتحوّل – حين تتكرر – إلى شِباكٍ لغوية تصطاد النهوض في مقتل. فنحن – في غمرة التحليل والشكوى – لا نتحدث لنُبصر، بل لنُبرّئ، ونُحمّل، ونتنصّل. وكأنَّ الحقيقة حكرٌ على “أنا” الغائبة عن الفعل، والحلّ في “أنتم” الغارقين في التهمة، والمستقبل رهينة لـ”هؤلاء” الذين لم يفعلوا ما يجب، و”أولئك” الذين خانوا الممكن أو لم يدركوه.
وهكذا، تغدو المجتمعات ضحية خطابها، قبل أن تكون ضحية واقعها، فننشغل في جلد الذات حتى تتقرّح كرامتنا، ونغرق في الشكوى حتى تبللنا الخيبة، ونرتّق جُدران العتب بمسامات من الغضب لا تردّ شمسا ولا تمنع ريحاً.
لكن النهضة الحقيقية، لا تنبت من الرماد وحده، ولا تتغذى على التنظير، ولا تنمو على ضفاف اللوم. إنها ثمرة عمل جمعي خافت، يبدأ بلا ضجيج، ويكبر بلا مَنّ، ويتّقد بلا حاجة لإضاءة إعلامية.
إنّ بناء الحياة لا يكون بتكرار العبارة: “المسؤولون مقصرون” فحسب، بل بالسؤال الأهم: هل أقمنا نحن – كلٌّ من موقعه – جسرا يعبر عليه التقدّم؟. هل مدّ أحدنا يده ليرفع حجرا من طريق عام، أو يزرع فكرة في عقل شاب، أو ينفخ في نار أمل خامد؟. كم من الطاقات تذوب في التذمر!. وكم من الأوقات تُهدر في التبرّم!. وكم من العقول اللامعة تنكفئ على شُرفات السلبية، تنظر من علٍ، وترى الخراب، ثم تُدير ظهرها وتمضي.
النهضة لا تصرخ، بل تعمل، لا تجلد، بل تجبر، لا تبرّئ الذات، بل تزكّي الفعل، ولا تنتظر الخارج، بل تعيد تشكيل الداخل.
إن المجتمعات التي تنهض، هي التي تحول “نحن” إلى عقد أخلاقي مشترك، و”أنتم” إلى شراكة في الحل، و”هؤلاء” إلى رفاق طريق لا خصوم، و”أولئك” إلى عِظة لا لعنة.
فلنصغِ جميعاً إلى نداء الوطن الداخلي، ذاك الذي لا يُبث في نشرات الأخبار، بل ينبض في كل بيت وشارع ومقهى ومدرسة ومكتب. نداء يقول: كفى صمتاً عن الممكن، وكفى هجاءً للواقع دون فعل.
فبين أيدينا أدوات، وبجوارنا أناس، وفي صدورنا قلوب قادرة على البذل والإلهام. كل ما يلزم، أن نؤمن أنّ التغيير يبدأ حين يتوقف اللوم، ويبدأ العمل، ولو على استحياء.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة