مقال| الذاكرة التي لا تنسى والمستقبل الذي لا يُؤجَّل

يكتبه: د. قاسم بن محمد الصالحي |

ليست المجتمعات أمشاجاً من الناس فقط، بل أرواحٌ تشتبك مع الزمن، تُقارع النسيان، وتستدعي التاريخ لا لتنوح عليه، بل لتصنع به غداً أكثر حكمة، وأشد رسوخاً.

إن آفة النسيان ليست نسيان التفاصيل، بل نسيان القيمة، نسيان كيف قامت الأمم من عثراتها، وكيف غزلت نهضتها من خيوط الإرادة والمعرفة والكرامة. وعندما تُصاب ذاكرة مجتمع بهذه العلّة، فإنه يصبح هشّاً أمام الريح، مستسلِماً للارتجال، وعاجزاً عن اقتناص لحظة التحوّل.

لكنَّ عُمان، ذات المجد البحري والعقل الحضاري، لم تُعرف يوماً بأنها من المجتمعات التي تنسى، بل هي الذاكرة حين تعقل، والتاريخ حين ينطق بالمعنى. وقد جاءت دعوة جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم، حفظه الله ورعاه، لإحياء هذا الموروث، واستلهام روحه، بمثابة نداء نبيل لكل عماني: “تذكر من أنت، كي تعرف إلى أين تمضي”.

ومِن ذاكرة المجد تبدأ صناعة المستقبل، فالمستقبل لا يُنتج من فراغ، بل من تربةٍ مشبعة بالوعي، ومن ذاكرةٍ تعرف أين وضعت قدمها وأين انغرست جذورها. وليس المطلوب أن نحمل التاريخ على ظهورنا كما تُحمل الأثقال، بل أن نحمله في وعينا، كما تُحمل المشاعل في الليالي المظلمة.

الرهان ليس على الزمن، بل على من يسكن الزمن، والواجب الأول في صناعة مستقبلنا المجتمعي هو أن نوقظ الحلم في أنفسنا، أن نُدرك أن الوطن لا يُبنى بالمطالبات فقط، بل بالمبادرات، لا بالتذمّر، بل بالمسؤولية، ولا بالحنين، بل بالتخطيط.

عندما تتجدد الذاكرة، يتحرّر الإنسان من الشعور بالعجز، ويكتشف في ذاته القدرة على الإضافة لا التلقي فقط، والمجتمع الممكن، الذي نُريده امتدادا للنهضة لا ظلّاً لها، هو ذاك الذي يُشرك كل فردٍ في المعادلة، من المعلم في صفّه، إلى المزارع في ترابه، إلى الموظف الذي يرى في عمله رسالة لا توقيعاً عابراً.

وهنا تتجلّى حكمة القيادة؛ إذ لم تكن رؤية عُمان 2040 مجرّد شعاراتٍ تصدّرت بها الخطط، بل هي دعوة جادّة لاقتحام المستقبل بأدواتٍ مستنيرة، وبمواطنٍ شريك، لا متفرّج. مواطن لا يستهلك المشاريع، بل يُنتج التصورات، ويملك من الذكاء الوجداني والعملي ما يليق بعراقة وطنه.

إننا اليوم في مفترق تتقاطع فيه الذاكرة والمصير، ومَن لا يُحسن تذكّر منجزه، لن يُحسن صناعة إنجازه التالي، ومن لا يؤمن بأن المستقبل مسؤولية مشتركة، سيظل ينتظر من السماء ما لا يصنعه على الأرض.

عُمان ليست حالةً جغرافية، بل حالة ذهنية وأخلاقية، وكل عمانيٍّ، حين يُخلص في عمله، ويصدق في محبته، ويُتقن في صنعته، يُضيف سطراً جديداً في دفتر المستقبل.

فلنحذر آفة النسيان، فهي قاتلة للأمل، ولنغذِّ ذاكرتنا بما يليق بها من فخر وتواضع ومسؤولية، ولنصنع الغد، لا كمهمةٍ سياسية أو اقتصادية، بل كواجب وطني أخلاقي، يبدأ من القلب، ويمتد إلى البنيان.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*