يكتبه: د. قاسم بن محمد الصالحي |
في الأجساد كما في المجتمعات، توجد خرائط غير مرئية، تحكم التكوين والسلوك، وتوجّه ردود الأفعال حين تشتدّ الأزمنة أو تتداخل الأصوات. ولعلّ المجتمع العُماني من بين المجتمعات القليلة في هذا الشرق الذي ظلّ وفياً لـ”جينه الأخلاقي”، ولذاكرته المتّزنة، رغم ما عبره من رياحٍ ورياح.
هي ليست جينات بيولوجية تُحمل في الكروموسومات، بل خارطة سلوك وقيم، كُتبت في الرحلات البحرية، وفي صمت الجبال، وفي حكمة النخيل، وفي مآذن المساجد حين كانت تدعو لا لتُرعب، بل لتؤنس.
لم يكن العُماني حادّ المزاج، ولا مستعرضاً في حماسته، لكنه في لحظات الجد، جبلٌ لا يفرُّ من ملامحه الصبر. منذ أن أدار المهلب بن أبي صفرة ظهره للفتنة، وواجهها بالحكمة لا بالسيف، ومنذ أن بنى أحمد بن سعيد دولة على أطلال تمزّق، دون أن يستأصل أحداً، بل جمع الناس على كلمةٍ وسط، وحتى ذلك البحّار المجهول الذي قاد مركبه من صور إلى ممباسا، وهو يحمل التجارة والأدب والدين معاً، لا بقوة الغزو، بل بقوة السلوك.
كل أولئك، وغيرهم، هم حروفٌ في الخارطة الجينية العُمانية، خارطة لا تُنسخ، ولا تُستورد، ولا تُفرض. فحين اهتزّت الجغرافيا العربية بفوضى المسميات، وبـ”الربيع” الذي مرّ على بعض البلاد كالخريف اليابس، ظل العُماني يزن الأمور بميزانٍ داخليّ، لا يركض خلف العناوين الصاخبة، ولا يسلم قلبه لمن يهمس له باسم الحرية ليقوده إلى التيه.
هي حصانةٌ لا تُورَّث بالنسب، ولكن تُربَّى في البيوت، وتُتَوارث بالصمت والسلوك. في احترام الكبير، في توقير النظام، في كظم الغيظ، في التزام الصف، في عدم رفع الصوت لمجرد إثبات الوجود.
فالعُماني، حين يُستفزّ، لا يصرخ، بل ينظر. وحين يُغرى بالضجيج، يُفضّل الطريق الطويل، لأنه يعرف أن القفز على المراحل كثيراً ما يُفضي إلى السقوط من أعلاها.
وإذا كان البعض يراهن على إغراق المجتمعات بـ”تدجين وعيها” باسم التحديث، فإن المجتمع العُماني أثبت أن التحديث لا يعني بالضرورة خلع العباءة، ولا نسيان الجذور، بل هو امتدادٌ للماضي لا قطيعةٌ معه.
تأمل هذا المجتمع حين تُعرض عليه المفاهيم المستوردة مغلفةً بلغة الحداثة: لا يُسارع إلى رفضها بدافع التقليد، ولا يبتلعها بدافع الإعجاب، بل يفككها، يقرؤها، يمرّرها على غربال ذاكرته، فإن وافقته، تبناها بطريقته، وإن خالفته، طواها دون ضجيج.
هذا هو الوعي الحصين، أن تعرف من أنت، وتعرف ماذا تأخذ، وماذا تترك، وأن تقف في قلب العالم، دون أن تذوب فيه.
فالحضارة ليست أن تصبح آخر، بل أن تبقى أنت، دون أن تتعثر في طريق المستقبل.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة