مقال| لنكن على وعي.. فالقول سلاح

يكتبه: د. قاسم بن محمد الصالحي|  

في زمنٍ تتشابك فيه الأصوات، وتتشابه فيه الوجوه خلف الشاشات، لم نعد نعرف دائماً من يُخاطبنا، ولا إلى أين يُراد بنا أن نذهب. صرنا – نحن جميعاً – في ساحة واسعة، الكل فيها يرفع لافتة، وينادي باسم الحقيقة، والحقيقة ربما تسير وحيدة على الرصيف المقابل.

لا أحد فينا في منأى، نحن من نقرأ، ونُعلّق، ونُشارك، وأحياناً نُحرّض من دون قصد، حين يُعجبنا عنوان، أو يُلامسنا مشهد، فنُسارع إلى النشر دون تثبّت، لأننا نُحب الخير – أو هكذا نظن – لكن الطريق إلى الخير، كما نعلم، لا تُعبّده النوايا الطيبة وحدها.

إن التجييش الإلكتروني لا يبدأ من منصات بعيدة، بل من تغريدة عابرة، أو مقطع يُعاد تداوله ألف مرة، حتى يفقد معناه الأصلي ويتحوّل إلى أداة توجيه. ونحن – ما لم نحتَرز – قد نُصبح وقوداً لمعركة لا نعرف أطرافها، أو شهود زور في قضية لم نفهم خلفياتها.

فَلْنُقرّ جميعاً: لسنا معصومين، لكننا مسؤولون، مسؤولون عن الكلمة التي نكتب، والمعلومة التي ننقل، والاحساس الذي نُثيره فيمن يقرأنا أو يسمعنا.

فلنُبطئ قليلاً قبل أن نُعيد إرسال ما يصلنا، ولنتساءل: من كتب هذا؟. وما سياقه؟. ولماذا الآن؟. هل يخدم وحدتنا أم يفرق صفوفنا؟. هل يُعلي من شأن العقل أم يُغذي التهويل؟. وهل نحن – من حيث لا ندري – أدوات في يد من يُريد أن يُشعل الفتنة ويُطفئ البصيرة؟.

الاحتراز ليس اتهاماً للناس، بل تربية للضمير، والمجتمع الذي يحتكم إلى عقله، قبل أن ينجرف مع موجة، هو مجتمع يُبقي جذوره في الأرض، مهما عصفت به رياح التحريض.

نحن – أبناء هذا الوطن الطيب – نُدرك جيداً معنى النُبل في القول، والحكمة في الموقف، والسكينة حين تعلو الأصوات. وقد علّمنا ترابنا أن الصوت العالي لا يعني دائماً الحقيقة، وأن من يزرع الشك في القلوب، لا يبني أوطاناً بل يهدمها بصمت.

فلنكن شركاء في تحصين مجتمعنا، لا فقط من خلال الردّ، بل من خلال الفطنة، والتمييز، والصبر على التحقّق. نحن نريد لمجتمعنا أن يكون واعياً، لا منغلقاً، يقظاً، لا مرتاباً، متماسكاً، لا هشاً أمام كل عارض رقمي.

في الختام، نحن جميعاً في هذا المركب، فإما أن نُبحر بوعي، أو نغرق بصخب الضجيج. فلنحمِ أنفسنا، وأهلنا، ووطننا، بكلمة موزونة، ومشاركة مسؤولة، وعقلٍ لا يُستدرج خلف كل ومضة. ففي زمن الصراخ، يصبح الوعي أعظم أشكال البطولة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*