مقال| الوعي الذي نربيه والوعي الذي يُروَّض

يكتبه: د. قاسم بن محمد الصالحي|

في ظهيرة صيفٍ هادئة، جلس الشيخ العُماني تحت ظل نخلة، يمسح بعصاه أرضاً يعرفها جيداً، أرضاً نبت فيها، وارتوى من نبعها، وتغنّى بأمثالها. بجانبه كان حفيده يتصفّح هاتفه، يتنقّل بين الصور والمقاطع، بين الضحك الخفيف والدهشة السريعة، دون أن يرفع رأسه.

“ما الذي تراه؟”. سأله الشيخ بصوت مائل إلى الحنو، أجاب الفتى وهو يبتسم: “كل شيء يا جدي.. العالم كله في جيبي!”

هزّ الشيخ رأسه، ثم همس كما لو أنه يُحدّث الأرض: “العالم في جيبك.. فهل أنت في قلبه؟”.

هكذا تبدأ الحكاية، ليست عن جيلين، بل عن زمنين يعيشان في جسد واحد، زمنٌ تعلّم أن يسأل قبل أن يُعجب، وأن يصغي قبل أن يحكم، وزمنٌ آخر، وُلِد في حضن العولمة، فوجد نفسه محاطا بالشاشات، تُخبره بما يجب أن يشعر، وما يجب أن يريد، بل وما يجب أن يكون.

في هذا الزمن، لم يعد السؤال: هل نعي؟. بل: هل وعينا هذا ابنٌ شرعيّ لتجاربنا؟، أم ابن مستعار لمحتوى طارئ؟.

العولمة لا تطرق الباب، بل تدخل من ثقوب الوعي، تُشكّل الذوق، وتُعيد ترتيب الأحلام، وتجعل من الانبهار قيمة، ومن التكرار عادة، ومن التسليم سلوكاً.

في المجتمع العُماني – الهادئ في نبرته، العميق في تاريخه، الحريص على لحمة نسيجه – تظهر معركة الوعي كمعركة وجود. ليس خوفا من الخارج، بل حرصا على الداخل. ليس رفضاً للتطور، بل تساؤلاً عن كُلفته الوجدانية: هل علينا أن نفقد أصواتنا لنُسمع؟. هل نحتاج أن نُمثّل لنبدو ناجحين؟. وهل كل ما يلمع، طريق إلى النور؟.

ذات مساء، وقف فتى صغير في سوق “بنزوى”، يبيع التمر وهو يُنشد أنشودة تعلمها من جدته، مرّ سائح، التقط صورة، وكتب تعليقاً: “جميل.. لكن متأخر!”.

فكر الفتى!، “هل تأخرنا فعلاً؟. أم أن الزمن تسرّع علينا؟”.

هذه ليست قصة طفل، بل قصة مجتمع كامل يُسابق الزمن دون أن يخسر نفسه. ولأننا لا نعيش في عزلة، فإن واجبنا ليس صدّ الريح، بل تعلم الإبحار بحذر وكرامة. نحتاج إلى إعلام لا يُروّج للفراغ، وإلى تعليم يُربّي السؤال لا الإجابة، وإلى مجتمع يفرح بالاختلاف دون أن يرتاب منه.

من السهل أن يُروّض الوعي، أن يُربّى الناس على الإعجاب دون تمحيص، وعلى المتابعة دون نقد، وعلى الحديث دون فهم. لكن من الصعب – وهو الأجمل – أن نُربّي وعياً يمشي مستقيماً. لا تائهاً في الزحام.

الوعي لا يُستورد، بل يُزرع، لا يُلقّن، بل يُجرب، لا يُروَّض، بل يُربّى، وفي عُمان، الأرض التي صبرت على التاريخ ولم تفرّط به، لا يصح أن تفرّط في أثمن ما لديها اليوم: وعي أبنائها، حين يكون ملكاً لها، لا ملكاً للمنصات.

ما نغرسه اليوم في العقول، نحصد غداً في الأوطان، فهل نُحسن الزرع، قبل أن يُحسن غيرنا الحصاد؟.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*