مقال| رؤية هادئة لأمن الخليج

يكتبه: د. قاسم بن محمد الصالحي| 

في المشهد الخليجي المتشابك، يبدو الخوف من إيران سؤالا حاضرا أكثر من حضوره كإجابة، فالجغرافياُ العربيةُ الفسيحةُ التي تحتضن مياه ​الخليج​ لا تستطيع أن تُبعِد طهران قيد ميلٍ واحد، تماما كما لا تستطيع طهران أن تلغي جيرانها العرب، وهنا تكمن الحقيقة الأولى التي يتجاهلها الضجيج: الجوار قدر، والسياسة اختيار.

منذ عقود تُدار علاقات الخليج مع إيران تحت عناوين العداء أو التوجُّس أو الاستقواء بحليف بعيد، بيد أن التجارب تتوالى لتثبت أنّ أمن الخليج لا يُصنع بمنطق «عدوٍّ أزليّ»، بل بمنطق «جارٍ حتميّ». فحين يَعلق العقلُ السياسي في عقدة الخوف، يتحوّل الأمن إلى مشروع تسليحٍ لا ينتهي، وتنتهي السيادة إلى سلسلة استدعاءات لقوى ما وراء البحار؛ وكلما تكثّف الوجود العسكري الأجنبي انكمش هامش القرار الوطني.

غير أنّ الحكمة ليست نقيض الحزم، وإنما حزمٌ أرقى مرتبة. يكشف تاريخ الدبلوماسية أنّ الدول الصغيرة حين تُحسن استخدام ميزان القوى، تُرغم الكبير على احترامها، لا بارتفاع الصوت، بل بدقّة الحساب. والخليج، بما يملكه من موقع استراتيجي وموارد طاقة وبنية اساسية حديثة، قادر على صناعة معادلة ردعٍ متبادلةٍ مع طهران، يكون فيها الحوار المسنود بالقوة سبيلًا لتخفيف التوتر، لا بوابةً للتنازلات.

قد يقال: “لكن إيران تتدخل هنا وهناك”، هذا صحيح، وهو ما يوجب على العواصم الخليجية أن تنتقل من إدارة الأزمات إلى صناعة التوازنات؛ توازناتٌ تُبنى على إدراكٍ صريح بأنّ النفوذ الإقليمي لا يُواجه بالشجب وحده، بل بإعادة هندسة المصالح المشتركة: من الاقتصاد العابر للحدود، إلى أمن الطاقة، إلى ضمان حرية الملاحة. فحين تتقاطع المصلحة مع الردع، يصبح الخط الأحمر مفهوما للطرفين، ويعلَمُ كلٌّ كيف يتقدّم خطوةً بلا أن يدفع المنطقة إلى حافة الهاوية.

وإنّ من مكاسب النظر إلى إيران كجارٍ لا كغولٍ، أنّه يُعيد للخطاب السياسي توازنه الأخلاقي. إذ لا يصحّ لدولة تتطلع إلى دور عالمي أن تظلّ أسيرة ثنائية “الخوف–الإنكار”.. فالميثاق الأممي الذي يضمن سيادة الدول، يساوي بين الكبيرة والصغيرة، ويُلزم الجميع بمبدأ حسن الجوار. والالتزام بهذا المبدأ قوة وليس ضعفا؛ قوة ترسم الخطاب بعقلٍ بارد حين يسخن الميدان، وتفتح قناة حوارٍ حين تُسدّ القنوات الأخرى.

ثمّة بُعدٌ آخر غالبا ما يُهمَل: ثقافة الشعوب، فالتاريخ الطويل للتجار والبحّارة والعلماء بين ضفاف الخليج ترك وشائج يصعب محوها. وحين تُغيَّب هذه الذاكرة الشعبية لمصلحة ذاكرة الخوف، يُختَزل المشهد في لقطة أمنية واحدة، وتضيع إمكانات التكامل الثقافي والاقتصادي. إن إحياء هذه الذاكرة ليس ترفا رومانسيا، بل رافعة سياسية لتخفيف الاحتقان، وترسيخ المصالح العابرة للحدود الرسمية.

لا يعني هذا كلّه اصطفافا ساذجا، فالحذر ضرورة، والردع أداة، لكنهما يفقدان معناهما إذا تضخّما حتى يلتهما الدبلوماسية. الحكمة هي فن تجاور القوة والتهدئة في آنٍ واحد: تعرف متى تُشهر السلاح، ومتى تُشمّر عن أوراق التفاوض، ومتى تُحجم الاتهام لتكسب الثقة الدولية وتحافظ على سمعة استقرارٍ لا تُقدّر بثمن في عالم تتناقص فيه مواطن الاستقرار.

ختاما، إذا كان الجار قدرت، فإنّ اختيار السياسة السليمة هو القدر الذي نصنعه بأيدينا. والخليج الذي اعتاد أن يقف على حافة التصعيد يستحقّ أن يجرّب طريق المبادرة: أن يرى بدل أن يخاف، وأن يكتب معادلة أمنه بمداد الحكمة لا بصدى الهلع. ففي النهاية، السيادة تُحمى حين يصدح صوت العقل، لا حين يعلو لغط البنادق وحده.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*