يكتبه: د. قاسم بن محمد الصالحي|
في الزوايا الداكنة من خريطة الشرق، حيث تتداخل الجغرافيا بالعقيدة، وتتصادم الذاكرة مع الطموح، تدور حرب لا تعلن عن نفسها، لكنها تنبض تحت السطح كجمرٍ يتنفس. هي ليست حربا تُخاض في ميادين مكشوفة، بل نزاعٌ تتوزع رقعته على أطراف كثيرة، يُخاض بالنيران أحيانًا، وبالرسائل الخفية في أحيان أكثر. إنها الحرب التي لا تريدها الأطراف، لكنها لا تملك ترف الابتعاد عنها.
تبدو المعركة بين الضفتين ـ ضفة تسكنها هواجس الفناء، وأخرى تنمو على حلم الامتداد ـ كأنها مأساة إغريقية تتكرر في كل فصل بممثلين جدد. لكنّ التحليل الواقعي، حين ينفض غبار الأيديولوجيا والخطابات الصاخبة، يكشف أنها صراع على قواعد الاشتباك، لا على نهاية اللعبة.
ليست إيران ولا الكيان اللقيط في وارد الذهاب إلى النهاية. فالأولى تُتقن لعبة الصبر، وتُجيد العمل في الظلال، تمسك بخيوط التأثير من غزة إلى بيروت، ومن صنعاء إلى دمشق، بينما تبني في الوقت ذاته منظومتها الردعية بخطى مدروسة. والثاني، رغم جبروته العسكري، يعلم أن النصر الكامل في هذا النوع من الحروب وهم، وأن الضربات الخاطفة لا تصنع أمنا طويلا، بل تؤجل الانفجار التالي.
في قاموس الواقعية، لا تنتصر الدول بالشعارات، بل بتقدير التكلفة وإدارة القوة. وبهذا المنطق، تظل هذه المواجهة محكومة بـ”التوازن المختل”؛ كل طرف يعرف أن كسر القواعد قد يفتح أبواب الجحيم على الجميع، فيُمعن في الاقتراب من الحافة، دون أن يقفز.
وما بين ضربة موجعة ورد محسوب، يتشكل نوع من السلام الرمادي، سلام لا يضمن الاستقرار، لكنه يمنع الانهيار.. تُدار فيه الأزمات لا تُحل، ويُخاض التفاوض من خلف دخان الصواريخ، وتُكتب بيانات النفي بمداد الصمت الطويل.
لكن، إلى متى؟، هذا سؤال لا يجيب عنه الحاضر، بل تُجيب عنه اتجاهات التحول في النظام العالمي، حيث لم تعد القوة الصلبة وحدها تصنع المكانة، بل القدرة على التحمل، والمناورة، وإعادة التموضع في لحظة التحوّل.
في الأفق، لا يبدو أن العالم يستعد لحرب كبرى، لكنّه يعيد تشكيل خرائطه عبر صراعات موضعية ذات طيف عالمي. وهذا ما يجعل الصراع بين طهران وعاصمة الكيان أبعد من كونه حسابات إقليمية ضيقة؛ إنه مرآة لصدام أوسع بين رؤيتين للمنطقة، وبين تحالفات تتغير، وقواعد تعاد كتابتها بأحبار كثيرة، بعضها دبلوماسي، وبعضها دموي.
الواقعية، حين تكتب هذا المشهد، لا تنحاز إلا للوعي، والوعي هنا يقول: لسنا أمام حرب ستنتهي بإعلان نصر أو رفع راية، بل أمام مسار استنزاف طويل، تُوزع فيه الأدوار بذكاء، ويُستهلك فيه الوقت كأحد أدوات المعركة.
في هذا الشرق الذي لا ينام، تظل الحرب أقرب من السلام، لكنها أضعف من أن تُعلن عن نفسها صراحة. إنها حرب باردة ساخنة، تشتعل في الأطراف، وتُدار في العواصم، وتُحسم ـ إن حُسمت ـ على طاولة لا يجلس فيها المنتصرون، بل من تبقى قادرا على التنفس بعد كل جولة.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة