مقال| قاتلٌ يذرف الدموع

يكتبه: د. قاسم بن محمد الصالحي|

في المشهد الفلسطيني، وتحديدا في غزة التي تُدكّ منذ شهور فوق ساكنيها، لا تنقص المأساة أصوات القصف ولا صرخات الأطفال، بل تنقصها مرآة واحدة تكشف وجه الحقيقة: أن القاتل، هذه المرّة، ليس متخفياً، إنه يجلس في صدر المؤتمرات، يتحدث عن الإنسانية، يوقّع على بيانات الإغاثة، ويرتدي قناع الرحمة بإتقان قاتل.

العالم الغربي، بقيادة واشنطن، يقدم دروسا يومية في النفاق السياسي، وقد بلغ من براعته حدّ التناقض المفضوح. يُسلّح الكيان اللقيط علنا، ويزوده بما يلزم من ذخائر لتمزيق أوصال غزة، ثم يُطلّ عبر شاشات الأمم المتحدة ليتحدث عن ضرورة “تدفق المساعدات الإنسانية دون عوائق”. هو ذاته من يدعو إلى هدنة مؤقتة -لا لحقن الدماء- بل لإدخال شحنة دقيق وعلبة دواء، تمهيدا لجولة قصف جديدة.

“يقتل القتيل ويمشي في جنازته”، هكذا تختصر الحكمة العربية القديمة ما نراه اليوم على خشبة السياسة الدولية. لكن الجديد في المشهد، أن القاتل لا يكتفي بالمشي في الجنازة، بل يقود الموكب، ويرثي الضحية، ويُحمّلها وزر موتها.

أي إنسانية تلك التي تُلقى من السماء عبر مظلات فوق أنقاض المدارس والمستشفيات؟. هل تُغني عبوة حليب عن حضن أم قُصف بيتها؟. هل تعوّض قارورة ماء عن كرامة تُسحق تحت الحصار؟. أم أن “الحياد الأخلاقي” قد صار تجارة رائجة في بورصة الدم الفلسطيني؟.

إن الحديث الغربي عن “المساعدات” في ظل استمرار الإبادة ليس سوى غسل سياسي للضمير، وتجميل للوجه البشع للعدالة الدولية. فهل يُعقل أن يقود الجلاد نفسه حملة التضامن مع ضحيته؟. أم أن النظام العالمي لم يعد يرى في الكارثة إلا مناسبة لتجديد لغته المتعبة، وشحن أرصدته الأخلاقية المؤقتة؟.

إن من يرعى آلة الحرب لا يملك أن يقدّم نفسه راعيا للسلام، ومن يغذّي الحصار لا يستطيع أن يوزع الدموع بصدق؛ هذه حقيقة أخلاقية لا تحتاج إلى تحليلات استراتيجية، بل إلى ضمير حي، وقلب لم يتكلّس تحت ركام المصالح.

في غزة لا تحتاج الحقيقة إلى من يدافع عنها، فهي تنزف في وضح النهار. ما تحتاجه هو أن يُكفّ القاتل عن البكاء الكاذب، وأن تُكسر تلك الازدواجية التي تحكم العالم. قبل أن تُدفن معه آخر بقايا العدالة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*