مقال| حين يستأنف العُمانيون رحلتهم إلى الشرق

يكتبه: د. قاسم بن محمد الصالحي|

ليست أوزبكستان مجرد وجهة جديدة على خريطة السائح العُماني، بل هي ذاكرة يقظة تنفض الغبار عن صفحة ناصعة من تاريخنا البحري والبري، حين كان العُمانيون يسيّرون مراكبهم شرقا وغربا، لا توقفهم صحارى ولا جبال، ولا حدود مرسومة على خرائط لم تكن قد وُجدت بعد.

ها هي أوزبكستان، بقلاعها الزرقاء وقبابها المزخرفة، تفتح أبوابها للعُمانيين من دون تأشيرة، كأنها تقول: عودوا أيها الأحفاد، فأنتم تعرفون الطريق. كأنها ترد الجميل لتلك القوافل العُمانية التي عبرت فارس وخراسان، حاملةً الطيب والبخور، والقرآن والعلم.

في سمرقند، حين يقف العُماني أمام قبة شاه زنده، لا يرى حجارةً فحسب، بل يسمع صدى الفاتحين الأوائل، من رجال الحواضر الإسلامية، الذين حملوا النور من ظفار إلى الهند، ومن نزوى إلى حدود الصين. هناك حيث امتزج الحرف العربي بالزخرفة التيمورية، يكتشف الزائر أن العُمانيين لم يكونوا غرباء عن هذا الشرق، بل من صنّاعه.

وفي بخارى عطر السندباد ورجال العلم، احتضنت الإمام البخاري ودوّنت علوم الحديث والفقه، يشعر العُماني بشيء يشبه الحنين الغامض. فربما عبرها بعض من أبناء عُمان في طريقهم إلى المجد، أو جلسوا تحت ظلال مدارسها ينهلون من نفس المعين. هناك، حيث يتلاقى الطريق التجاري مع الطريق الروحي، يسير العُماني اليوم لا سائحًا فحسب، بل وريثا لمسار طويل من الرحلات والمعرفة والتبادل الحضاري.

في طشقند، حيث تُروى الحكايات القديمة على أرصفة حديثة، يكتشف الزائر العُماني كيف أن الشرق يمكن أن يكون عصريا دون أن يتنكر لأصله. المقاهي الحديثة تتنفس بجانب المساجد القديمة، والمكتبات تحمل كتب الخوارزمي وابن سينا كما تحمل الروايات المعاصرة. هي عاصمة تشبه العُمانيين في توازنهم بين التراث والتجدد. وإعفاءهم من تأشيرة الدخول إلى أوزبكستان ليس مجرّد قرار سياسي أو تسهيلات دبلوماسية، بل هو في جوهره دعوة ناعمة لإعادة وصل ما انقطع، واستئناف الرحلة التي بدأها الأجداد.

 إنها فرصة للجيل الجديد ليعيد اكتشاف ذاته في مرايا الآخر، وليتأمل كيف تشكلت الحضارة الإسلامية من تلاقي طرق التجارة، وعشق الرحلة، وطلب العلم.

ليست كل الرحلات من أجل الترفيه؛ بعضها من أجل التذكّر. من أجل أن ننظر إلى خارطة العالم لا كغرباء، بل كأبناء حضارة مشّاءة. وفي زمن تنفتح فيه أبواب الشرق من جديد، يجد العُماني في أوزبكستان صدى صوته القديم، ووجهه الحضاري كما انعكس ذات يوم على صفحة نهر جيحون.

فهل نعود؟. نعم، ولكن هذه المرة كزائرين بالسلام، نحمل الكاميرا لا الخريطة، ونبحث عن الحكمة لا الغنيمة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*