مقال| الروضة… من محضة تبدأ الحكاية

يكتبه: د. قاسم بن محمد الصالحي|

في الشمال الغربي من سلطنة عُمان، حيث تسير الرمال بهدوء، وتتداخل الخطى بين حضارتين، تتربّع نيابة الروضة، درة من درر ولاية محضة بمحافظة البريمي، شاهدة على الزمن وأحداثه، حافظة لسرّ الأرض وعبق التاريخ. في تلك الأنحاء، لا تكون الجغرافيا مجرد تضاريس، بل روحا نابضة تجمع بين محضة وامتداداتها، حيث تتعانق الجبال مع السهول، وتتشابك القلوب على جانبي الحدود بين بلدين شقيقين، سلطنة عُمان ودولة الإمارات العربية المتحدة.

ليست مجرد منطقة حدودية؛ إنها مرآة لذاكرة المكان، حيث يمتزج الإرث القبلي العريق مع تفاصيل الحياة اليومية، حيث تتناثر الحكايات بين مجالس الأجداد، وتُروى على ضوء القمر في صمت الصحارى. هناك، يشهد الزائر تجسيدا حقيقيا للتواصل الإنساني العابر للحدود، ترفرف فيه القيم العربية الأصيلة، ويترسّخ فيه الشعور بالانتماء المشترك، رغم ما فُرضته السياسة من خطوط فاصلة.

أما الروضة، فليست اسماً فقط، بل هي حديقة من السكينة والجمال الطبيعي، تتوسد الجبال وتغفو على نسمات الفجر، وتُعد إحدى المناطق الغنية بمواردها ومواقعها التراثية، المتكئة على إرث الأجداد والمتطلعة إلى آفاق التنمية والتمكين. واليوم، تخطو الروضة نحو فصل جديد من حكايتها، إذ شهدت توقيع اتفاقية استراتيجية بين سلطنة عُمان ودولة الإمارات، لتطوير وتشغيل المرحلة الأولى من المنطقة الاقتصادية الخاصة بالروضة.

اتفاقيةٌ ليست فقط بين مؤسستين، بل بين روحين متجاورتين، تعبران عن إرادة مشتركة لبناء مستقبل واعد في قلب هذه البقعة التي جمعت منذ الأزل بين الأهل والنسب والمصير. فبموجب هذه الاتفاقية، يُفتح أفقٌ واسع أمام الصناعات التحويلية والدوائية، واللوجستيات، والاستثمار الزراعي، ليحمل نسغ الحياة إلى أرضٍ طالما عرفت كيف تجمع بين الجدب والخصب، بين الصبر والطموح.

إنّ الحديث عن الروضة، هو حديث عن الامتداد الإنساني قبل السياسي، عن الترابط الأسري والعشائري الذي سبق الكيانات وحدودها، وهو كذلك تأمل في عبقرية المكان الذي جمع بين الحضارة والتاريخ والهوية، فكان شاهداً لا يُنسى على حكاية من حكايات الخليج العربي، حيث لا تنفصل الجغرافيا عن الوجدان، ولا تُمحى الذاكرة مهما بدّلت الجغرافيا وجوهها.

وهكذا، من محضة تبدأ الحكاية، وتمتد، بمداد التنمية، وعزيمة الرجال، إلى آفاق أبعد من الجغرافيا، نحو مستقبل مشترك تصنعه الإرادة ويحتضنه التاريخ.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*