مقال| السياحة بين الإفراط والاستدامة

حمدان البادي 

تمثل السياحة المستدامة والسياحة المفرطة وجهين لنفس الهدف الذي تسعى الدول لتحقيقه، وهو تقديم تجربة سياحية عالية الجودة من دون الإضرار بالمواقع السياحية أو الموارد الوطنية، فالغاية هي الوصول إلى نمط سياحي مستدام يحقق مردوداً اقتصادياً واجتماعياً وبيئياً من دون المساس بمقومات الدولة الطبيعية والثقافية.

ووفقا لمنظمة الأمم المتحدة للسياحة، يتم تعريف السياحة المستدامة بأنها: “السياحة التي تراعي بصورة كاملة آثارها الاقتصادية والاجتماعية والبيئية الحالية والمستقبلية، وتلبي احتياجات الزوار والصناعة والبيئة والمجتمعات المضيفة”. أما السياحة المفرطة، فتُعرفها المنظمة نفسها بأنها: التأثير المفرط للسياحة على وجهة سياحية أو أجزاء منها، مما يؤثر سلبا على جودة حياة السكان المحليين، أو على جودة تجربة الزوار”.

وفي ظل اعتبار الاستدامة أحد المحاور الرئيسة لرؤية عُمان 2040، فإن توظيف هذا المفهوم كنمط حياة في مختلف القطاعات، ومنها القطاع السياحي، يعد ضرورة ملحة. ومع ذلك، لا تزال السياحة المفرطة في سلطنة عُمان غائبة عن خطط الرصد والمتابعة بشكل فعال، مما يهدد بعض المقومات السياحية المهمة فعلى سبيل المثال، تشهد محافظة ظفار تراجعا في المسطحات الخضراء نتيجة تكدس أعداد كبيرة من السياح في مواقع محددة، ما يؤدي إلى ما يُعرف بظاهرة “التصحر”، إلى جانب تمدد المنشآت الخدمية والعمران في الكثير من المواقع السياحية المهمة. كما أن الازدحام المتزايد في بعض المواقع التاريخية مثل القلاع والحصون، يؤثر على المدة الزمنية المتاحة لزيارة هذه المعالم، ويستدعي أعمال صيانة دورية لضمان استمرارية الاستفادة منها.

وفي المقابل، بات عنصر الاستدامة من الركائز الأساسية التي تحرص الجهات المعنية على ضمان وجودها في المشاريع السياحية، بما يتماشى مع المعايير الدولية للاستدامة التي تستند إلى ثلاثة أبعاد رئيسية: البيئي، والاقتصادي، والاجتماعي. ورغم الجهود المبذولة في هذا الاتجاه، لا تزال هناك تحديات تعيق تحقيق الاستدامة المثلى، من أبرزها التغير المناخي، وتداخل الثقافات، وتسارع النمو الاقتصادي الذي قد يؤثر سلبًا على الموارد الطبيعية والمجتمعات المحلية.

وفي هذا الإطار، أصبحت بعض القطاعات، لا سيما المرتبطة بالسياحة، ملزمة بالإفصاح عن سياساتها وإجراءاتها المتعلقة بالاستدامة، من خلال تقارير سنوية تُنشر لتعزيز الشفافية والمساءلة. ويأتي هذا الالتزام في سياق السعي لترسيخ مفهوم الاستدامة كأسلوب حياة متكامل يُطبق في جميع مستويات العمل، مما يسهم في تحقيق تنمية سياحية مسؤولة ومتوازنة تلبي احتياجات الحاضر دون الإضرار بقدرة الأجيال القادمة على تلبية احتياجاتها.

لذا يمثل التوازن بين اعتبارات الاستدامة والحد من الاستغلال المفرط للموارد والمقومات الطبيعية ركيزة أساسية لضمان نجاح القطاع السياحي على المدى الطويل، واعتماد منهجية رقابية واعية ومسؤولة في إدارة المشاريع تسهم في تحقيق تنمية سياحية مستدامة تحافظ على البيئة وتثري التجربة السياحية دون المساس بجودة حياة المجتمع.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*