مقال| اتجاه الريح

يكتبه: د. قاسم بن محمد الصالحي|

في العصور التي يتكسر فيها شكل العالم، لا يكفي أن تمتلك مرسى جيدا، بل يجب أن تعرف اتجاه الريح، العالم الذي أمامنا لا يعود إلى ما كان، ولا يستقر على ما هو كائن. 

إننا نعيش في قلب لحظة انتقال، حيث لا زعامة تُحتكر، ولا معادلة تبقى ساكنة، ولا قوة تستقر طويلاً على عرشها، لم تعد واشنطن وحدها تُصدر الأوامر، ولا بكين بعد قادرة على فرض الطاعة، فيما العواصم الوسطى تملأ الفراغ بذكاء الصمت أو دهاء التموضع. 

النظام الدولي لا ينهار، لكنه يتشقق، وما يتسرّب من بين شروخه، ليس الضعف فقط، بل الإمكان أيضاً. إمكان أن يعيد كل لاعب – كبيراً أو صغيراً – ترتيب أوراقه، وأن يمدّ يده إلى طاولة جديدة، لا تشبه تلك التي اعتادها.

في هذا المشهد، لا مكان للجمود، ولا للحياد الكسول، بل للحكمة التي تُدرك أن الاستقرار ليس ناتجا عن الثبات، بل عن القدرة على الحركة الرشيقة. فبناء القوة في عالم كهذا لا يعني فقط التسلّح، بل الفهم: فهم الاقتصاد كشبكة لا كرصيد، وفهم الدبلوماسية كفن التأثير لا كأدب المجاملة، وفهم التقنية كذراع سيادة لا كأداة استهلاك. القوة القادمة ليست فيمن يملك السلاح الأقوى، بل فيمن يملك القرار الأذكى، فيمن يعرف أين يقف، ومتى يتقدّم، ومتى يصمت دون أن ينسحب.

ولعلّ أعظم ما يمكن لصانع القرار أن يفعله في زمن التحول، هو أن يصغي لما لا يُقال، وأن يرى ما لا يُعرض على الشاشات: أن يدرك أن العالم لم يعد يدار من الأعلى فقط، بل من الهامش أحيانا، وأن السيطرة لم تعد عمودية، بل شبكية، وأن الدولة التي لا تملك زمام تحولها، ستكون عاجلا أو آجلاً رقماً في معادلات الآخرين.

إن اتجاه الريح ليس سؤالا في الجغرافيا، بل امتحان في البصيرة، ومن امتلك البوصلة.. لن يضيع، مهما اشتدّت العواصف.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*