مقال | العين التي لا ترى إلا العيب.. لا تُبصر النور

يكتبه: د. قاسم بن محمد الصالحي|

قيل في الأثر: “رحم الله امرأً عرف قدر نفسه”، وقيل أيضًا: “إذا كان الكلام من فضة، فالسكوت من ذهب”، وبين هاتين الحكمتين ضاعت بوصلة كثيرين، حين أطلقوا ألسنتهم في كل شأن، صغيرًا كان أو كبيرًا، دون علم أو دراية، لا يميزون بين النقد والتجريح، ولا بين الحرص والهدم.

في زمن مفتوح على كل الآراء، أصبح من السهل أن نكتب، وأن ننتقد، وأن نحاكم، لكن من الصعب أن نتروّى، أن نقرأ الأرقام، أن نزن الكلمات بميزان المسؤولية لا الانفعال.. ليس كل من تحدث يُحسن القول، ولا كل من كتب يُحسن الفهم، والحديث في الشأن العام ليس بطولة، بل أمانة.. إن من يحب وطنه لا يصرخ في وجهه، بل يهمس له: “أنت تتعب، وأنا أقدّر.. أنت تُخطئ، وأنا أُعين.. أنت تتأخر، وأنا أذكّر، لا أُحبط”.

“كان أفضل مما كان” ليست عبارة رضا تام، ولا صرخة يأس، بل وقفة تأمل.. بين ما تحقق، وما يجب أن يكون.. لكن في زحمة الخطابات العامة، تحولت هذه الوقفة إلى “محاكمة مفتوحة” عنوانها: جلد الذات.

في جلسات مجلس الشورى، لا يعلو صوت فوق صوت القضايا اليومية: خدمات متعثرة، فرص عمل محدودة، مشروعات تتأخر بلا تفسير، وهذا حق.. بل واجب.. فالمجلس لم يُوجد ليُصفق، بل ليحاسب، ولكن، حين يغيب التوازن بين النقد والمقترح، يضيع الهدف.. قال أحد الأعضاء مؤخرًا: “البطالة أصبحت مزاجا عاما.. لا رقماً فقط.”، وهو تشخيص عميق، لكنه يحتاج إلى وصفة علاج، لا مجرد توصيف، في المقابل، تظهر بيانات المركز الوطني للإحصاء لتشير إلى انخفاض البطالة من 8.4% في 2023 إلى 6.9% نهاية 2024م.. رقم إيجابي، لكنه لا يلقى الصدى ذاته الذي تثيره عبارات الغضب.

وفي وسائل التواصل، تتحول كل قضية إلى محكمة شعبية.. مغرد يكتب: “كل شيء ينهار!”، فيجد آلافًا يصفقون له، وآخر يسأل بهدوء: “ما الحل؟”، فلا يُسمع صوته.. بين هؤلاء وأولئك، تضيع المسافة بين النقد البنّاء والتذمر الدائم.

جلد الذات ليس وعيا.. الوعي أن ننتقد حين يجب، ونُثني حين يُنجز، ونقترح حين نختلف.. لقد تغيّرت عمان كثيرا، والمقارنة مع الأمس لا تُنكرها الأرقام، ولا الواقع، لكن التحديات مستمرة.. وهي لا تُحلّ بالغضب، ولا تُخفى بالمجاملات.. ما نحتاجه هو خطاب يُرضي العقل، لا يثير العاطفة فقط.. مجلس شورى يراقب ويقترح، حكومة تسمع وتستجيب، إعلام يوضح ويوازن، ومواطن يعرف أن النقد مسؤولية، لا فقط تفريغ غضب.. نعم، الضوء موجود، والظل أيضا، والفرق بينهما، أن الأول يُبنى، والثاني يُركَن فيه.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*