د. قاسم بن محمد الصالحي |
في كل بيتٍ عُماني حكاية عن جدٍّ بعيد، وفي كل أسرة أسماء يعرفها الأبناء كما يعرفون أسماء آبائهم. يجلس الكبير في صدر المجلس، وتدور القهوة بين الحاضرين، فيسأل أحد الصغار عن جدّه الرابع، فتبدأ الحكاية: اسمٌ، وقرية، وبيت، وربما رحلة بحرية قديمة لا تزال الأسرة تحفظ تفاصيلها. هكذا يصبح النسب أكثر من سلسلة أسماء؛ يصبح ذاكرة تمنح الإنسان إحساسًا بجذوره ومكانه في الزمن.
ومع اتساع المعرفة الحديثة، ظهرت وسائل جديدة تحاول قراءة بعض جوانب التاريخ البشري، ومنها الدراسات الجينية. لكنها تظل أدوات محدودة بمجالاتها وعيناتها، ولا يمكن أن تحل محل الذاكرة العائلية أو الوثائق والروايات المتوارثة في فهم النسب الاجتماعي.
وهذا التفريق مهم؛ لأن النسب في حياة الناس ليس مسألة بيولوجية فقط. إنه ذاكرة عائلية واجتماعية، تحفظها الأسماء والروايات والوثائق، وتعيش داخل المجتمع جيلاً بعد جيل.
وبين هذه الذاكرة والجغرافيا يقف البحر.
وهنا تحديداً تبرز عُمان.
كان البحر بالنسبة للعُماني، عبر أجيال طويلة، طريقًا إلى العالم. خرجت السفن من سواحل عُمان إلى موانئ مختلفة في الخليج والهند وشرق إفريقيا، وعادت بالبضائع والأخبار والتجارب. وكان البحار يغيب عن بيته ثم يعود إليه، حاملاً معه شيئًا من العالم، دون أن يفقد اسمه ولا بيته ولا ذاكرته.
وفي قرية ساحلية، قد يجلس الأبناء اليوم إلى جانب كبير الأسرة، فيستمعون إلى قصة جدٍّ كان يبحر أشهرًا، ثم يعود في موسمٍ معروف. وفي هذا المشهد العُماني البسيط معنى عميق: يمكن للإنسان أن يكون راسخًا في هويته، ومفتوحًا في علاقاته في الوقت نفسه.
لم تكن كل رحلة مصاهرة، ولا كل تجارة امتزاجًا، ولا عاشت جميع العائلات التجربة نفسها. لكن البحر ظل مساحة للحركة والتعارف وتبادل المنافع والخبرات.
ومن هنا يمكن أن ننظر إلى المجتمعات المتجاورة في الخليج والمحيط الهندي، ومنها المجتمعات العربية والفارسية، بعيدًا عن صورة الكتل المغلقة. لكل مجتمع لغته وذاكرته وخصوصيته، وقد شهدت بعض المناطق والأزمنة اتصالًا وتجارةً وجوارًا ومصالح مشتركة. لا يلغي ذلك الاختلاف، كما لا يلغي الاختلاف إمكان التواصل.
ولعل هذا هو المعنى الأهم الذي نحتاج إليه اليوم.
لسنا بحاجة إلى أن تتطابق الأنساب حتى نحترم بعضنا، ولا إلى أن تتشابه الهويات حتى نصنع سلامًا اجتماعيًا. يمكن للإنسان أن يقول: هذه عائلتي، وهذا نسبي، وهذه هويتي؛ ثم يضيف بثقة وطمأنينة: وللآخر عائلته ونسبه وهويته.
فالاعتزاز بالجذور لا يحتاج إلى جدار.
وعُمان، بما صنعه موقعها من صلة بين البحر واليابسة، تقدم لنا صورة جميلة لذلك. لقد ظل البيت يحتفظ بأسماء أجداده، بينما ظل البحر مفتوحًا أمام أبنائه.
وربما لهذا لا نحتاج إلى أن نجعل شجرة النسب في مواجهة شجرة الجينات. فكل واحدة تنتمي إلى مجال مختلف، والأهم من الجدل بينهما أن نفهم الإنسان في سياقه: ذاكرةً وهويةً وتجربةً وعلاقات.
جذورٌ تمنحنا الهوية، وبحرٌ يصل بين الجغرافيات، ووعيٌ يجعل الاختلاف مساحةً للتعارف لا سببًا للخصومة.
ولعل السلام الاجتماعي يبدأ من هذه البساطة: أن نحفظ لكل إنسان جذوره، ولكل مجتمع خصوصيته، ثم نترك بين الجذور مساحةً واسعة للجوار والمحبة.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة