عائشة بنت عبدالله الزدجالي |
كلية عُمان للسياحة
لم تعد السياحة في وقتنا الحالي مرتبطة بالاستجمام والترفيه كما كان سائداً في ثمانينيات وتسعينيات القرن العشرين، بل أصبح مفهومها أكثر شمولاً واتساعاً، وتحولت إلى صناعة متكاملة ومترابطة مع قطاعات عديدة، من بينها الصناعة واللوجستيات والأعمال والصحة والثقافة.
ومن أبرز الأنماط السياحية التي ارتبطت بهذه التحولات سياحة المؤتمرات والمعارض، التي شهدت نمواً ملحوظاً خلال الأعوام الماضية، وأصبحت أحد المكونات المهمة في منظومة السياحة العالمية ، التي بلغ عدد السياح فيها قرابة 15 % من مجمل السياح الدوليين عام 2025 وفق منظمة الأمم المتحدة للسياحة.
وتكتسب سياحة المؤتمرات والمعارض أهمية متزايدة، ليس فقط لما تمثله من حركة سياحية واقتصادية، وإنما لما تتركه من آثار مباشرة على الوجهات المستضيفة، سواء من حيث حجم الإنفاق، أو نوعية الخدمات المطلوبة، أو الاستدامة المكانية، أو فرص الترويج للوجهة السياحية. ولذلك تولي العديد من الوجهات العالمية، ولا سيما المدن الكبرى كبرلين ونيويورك وطوكيو، اهتماماً متزايداً بهذا النمط من السياحة، باعتباره أداة لتعزيز حضورها على الخريطة السياحية العالمية، واستقطاب الاستثمارات والفعاليات الدولية، بما يسهم في دعم اقتصاداتها المحلية وتعزيز تنافسيتها والتي شكلت قرابة 20 % من مجمل الانفاق السياحي في عام 2025 والبالغ 7.6 تريليون دولار امريكي وفق المنتدى الاقتصادي العالمي.
في ظل التحولات الرقمية المتسارعة، ودخول أدوات الذكاء الاصطناعي في مختلف القطاعات الاقتصادية والسياحية، تأثرت سياحة المؤتمرات والمعارض بصورة مباشرة بهذه التطورات، خصوصاً في ما يتعلق بتصميم تجربة متكاملة للمشاركين والزوار. ويرتبط هذا النوع من السياحة عادةً بحشود من رجال الأعمال والخبراء والباحثين والمستثمرين والمهنيين القادمين من دول وأسواق مختلفة، الأمر الذي يفرض على الدول والوجهات المستضيفة تطوير منظومة متكاملة من الخدمات الرقمية التي تسهّل رحلة الزائر منذ لحظة التخطيط للمشاركة وحتى مغادرة الوجهة.
فالسائح الذي يخطط للمشاركة في مؤتمر أو معرض يحتاج إلى منظومة متكاملة تشمل التسجيل وحجز المشاركة، والنقل، والإقامة، والخدمات اللوجستية، والأنشطة السياحية والترفيهية، وغيرها من الخدمات التي تضمن له رحلة ومشاركة مريحة وناجحة. ومن هنا تبرز أهمية وجود منصة رقمية موحدة وتفاعلية تتيح الوصول إلى هذه الخدمات بكفاءة وسهولة، وتستجيب بصورة سريعة لاحتياجات سائح الأعمال قبل وصوله إلى الوجهة وأثناء إقامته فيها.
وبما أن سائح المؤتمرات والمعارض يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالتقنية الحديثة، فضلاً عن محدودية الوقت الذي يقضيه في الوجهة، فإن أهمية الخدمات الذكية تتزايد بهدف تقليل أوقات الانتظار وتعزيز كفاءة الاستفادة من فترة الإقامة. وتبدأ هذه التجربة منذ الوصول إلى المطار، من خلال البوابات الإلكترونية وإجراءات السفر الذكية، مروراً بخدمات النقل الذكي وتسجيل الدخول الإلكتروني في الفنادق، وصولاً إلى التسجيل والمشاركة والتفاعل الرقمي داخل المؤتمر أو المعرض.
كما انه، لا تقتصر هذه الخدمات على الجوانب المرتبطة بالفعالية نفسها، بل يمكن توظيفها لتعزيز استفادة الزائر من الوجهة السياحية، من خلال إتاحة حجز الباقات السياحية والجولات والأنشطة والتجارب المختلفة عبر منصة إلكترونية واحدة، بما يسهل وصول الزائر إلى مختلف الخدمات بصورة منظمة وآمنة وفعالة.
وفي الوقت ذاته، يمكن للتقنيات الحديثة أن تسهم في إعادة صياغة مفهوم المؤتمرات والمعارض، من خلال إتاحة المشاركة عن بُعد وتوسيع نطاق الوصول إلى الفعاليات، بما يجعلها أكثر مرونة واستدامة. حيث قد أثبتت السنوات الماضية أن هناك ظروفاً استثنائية قد تحول دون قدرة بعض المشاركين على الحضور الشخصي، سواء بسبب تحديات صحية أو جيوسياسية، أو نتيجة بُعد المسافة وارتفاع تكاليف السفر، وهنا تبرز أهمية الفعاليات الهجينة التي تجمع بين الحضور الفعلي والمشاركة الرقمية.
فمن خلال المنصات الرقمية والتطبيقات الذكية والتقنيات التفاعلية، أصبح بالإمكان توفير فرص أوسع للمشاركة والتواصل وتبادل المعرفة، بما يتيح للفعاليات الوصول إلى جمهور أكبر، ويمنح المشاركين مرونة أكبر في اختيار طريقة الحضور والتفاعل.
لا تقتصر الاستفادة من التحول الرقمي على سائح الأعمال وحده، بل تمتد أيضاً إلى الوجهة السياحية والجهات المنظمة للفعاليات ومختلف أصحاب المصلحة.
فالوجهة السياحية يمكنها توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي في تحليل سلوك السياح وفهم احتياجاتهم وتفضيلاتهم، بما يساعد على تصميم خدمات وتجارب أكثر ملاءمة. كما يمكن لتقنيات إنترنت الأشياء أن تسهم في تنظيم حركة الوفود وإدارة المرافق وتحسين مستوى الخدمات المقدمة، سواء داخل موقع الفعالية أو في الوجهة بشكل عام.
وفي المقابل، يفتح التسويق الرقمي آفاقاً واسعة أمام الوجهات للترويج للمؤتمرات والمعارض واستقطاب المشاركين من مختلف الأسواق العالمية. ويمكن لسائح الأعمال نفسه أن يتحول إلى بوابة للتعريف بالوجهة ونقل تجربته إلى شبكاته المهنية والاجتماعية، بما يعزز حضورها وانتشارها. كما أن توظيف تقنيات الواقع الافتراضي والواقع المعزز يمكن أن يتيح لشريحة أكبر من الجمهور فرصة التعرف إلى المؤتمرات والمعارض والتفاعل مع محتواها، سواء قبل الفعالية أو خلالها أو بعدها، وهو ما يوسع دائرة المستفيدين من الحدث ويمنح الوجهة السياحية فرصاً إضافية للترويج لمقوماتها وتجاربها.
وبذلك، لا تصبح التقنية مجرد أداة لتسهيل المشاركة في المؤتمر أو المعرض، وإنما تتحول إلى عنصر أساسي في بناء منظومة متكاملة تربط بين الفعالية والوجهة والسائح والاقتصاد المحلي.
جدير بالذكر ان سلطنة عُمان تمتلك العديد من المقومات التي تؤهلها لاستضافة المؤتمرات والمعارض الدولية، في ظل ما تتمتع به من بنية أساسية تشمل المطارات وشبكات الطرق والخدمات والمرافق المرتبطة بالفعاليات والمؤتمرات والمعارض.
غير أن المرحلة المقبلة تتطلب، إلى جانب هذه البنية الأساسية، العمل على تطوير بنية فوقية رقمية متقدمة ترتبط بالخدمات الإلكترونية والاتصالات والتقنيات الحديثة وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، وتوظيفها بصورة متكاملة لتحسين تجربة الزائر والمشارك. فالمنافسة المستقبلية بين الوجهات في مجال سياحة المؤتمرات والمعارض لن تعتمد فقط على توافر قاعات المؤتمرات ومراكز المعارض والفنادق ووسائل النقل، وإنما ستتعلق أيضاً بقدرة الوجهة على تقديم تجربة رقمية متكاملة وسلسة تبدأ قبل الوصول وتستمر أثناء الفعالية وبعدها.
ومن هنا، فإن الاستثمار في التكنولوجيا والخدمات الذكية، وربطها بمنظومة السياحة والمؤتمرات والمعارض، يمكن أن يشكل أحد المسارات المهمة لتعزيز تنافسية سلطنة عُمان في هذا المجال، ورفع قدرتها على استقطاب المزيد من الفعاليات الدولية.
كما ان مستقبل سياحة المؤتمرات والمعارض لن يكون قائماً على الحدث وحده، بل على التجربة المتكاملة التي تقدمها الوجهة. وكلما نجحت الوجهات في دمج البنية الأساسية مع الحلول الرقمية والذكاء الاصطناعي والخدمات الذكية، أصبحت أكثر قدرة على الاستجابة لمتطلبات المرحلة المقبلة.
وهنا تأتي الفرصة الحقيقية لسلطنة عمان في بناء نموذج متكامل في هذا المجال، يجمع بين مقوماتها الطبيعية والثقافية، وبنيتها الأساسية، وقدراتها اللوجستية، والتحول الرقمي، بما يعزز حضورها كوجهة إقليمية ودولية لسياحة المؤتمرات والمعارض، ويفتح أمامها آفاقاً جديدة للنمو السياحي والاقتصادي.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة