د. قاسم بن محمد الصالحي |
وهكذا يمكن أن نقرأ تأكيد «ستاندرد آند بورز» التصنيف الائتماني لسلطنة عُمان عند BBB-. فالرقم، في عالم الاستثمار، ليس مجرد درجة تمنحها وكالة تصنيف؛ إنه رسالة إلى المستثمر عن مستوى المخاطر، وقدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها، واتجاه اقتصادها في السنوات المقبلة.
لكن القيمة الحقيقية للرقم تبدأ بعد صدوره.
فإذا كانت عُمان قد نجحت في تحسين مؤشرات المالية العامة وخفض مستويات الدين والحفاظ على نظرة مستقبلية مستقرة، فإن السؤال الاقتصادي الأكثر أهمية يصبح: كيف نحول هذه الثقة إلى استثمار؟.
هنا تبدأ الفرصة العُمانية.
فالاستقرار المالي يمكن أن يخفض كلفة رأس المال، والثقة الائتمانية يمكن أن توسع خيارات التمويل، والموقع الجغرافي يمكن أن يمنح الاستثمار العُماني منفذاً إلى أسواق المحيط الهندي وآسيا. وعندما تجتمع هذه العناصر، فإن ما كان يُقرأ سابقاً باعتباره «تصنيفاً ائتمانياً» يمكن أن يتحول إلى بوابة استثمارية.
لكن رأس المال لا يأتي بحثاً عن الاستقرار وحده. المستثمر يريد أن يعرف ماذا سيجد خلف الباب.
وهنا ينبغي أن تكون الإجابة واضحة: موانئ أكثر تنافسية، مناطق اقتصادية قادرة على جذب الصناعات، لوجستيات متقدمة، طاقة متجددة، هيدروجين، صناعات تحويلية، تعدين، سياحة، واقتصاد رقمي؛ والأهم بيئة أعمال تجعل الانتقال من قرار الاستثمار إلى التشغيل أسرع وأكثر وضوحاً.
فالفرصة ليست في أن نقول للعالم إن عُمان مستقرة؛ وإنما في أن نجعل الاستقرار نفسه أصلاً اقتصادياً قابلاً للاستثمار.
وربما يكون «ما لم يحدث» بعد هو الأهم: لم تتحول الثقة الائتمانية بعد إلى موجة واسعة من الاستثمارات النوعية، ولم تُستثمر كل الإمكانات اللوجستية والصناعية، ولم يتحول الموقع الاستراتيجي بكامل طاقته إلى قيمة مضافة.
وهنا تبدأ الخطوة التنفيذية: أن تتحول نتيجة التصنيف فوراً إلى حملة استثمارية عُمانية جديدة؛ تُخاطب صناديق الاستثمار والمؤسسات المالية والشركات العالمية بلغة الأرقام والفرص، وتجمع في ملف واحد قوة التصنيف، والاستقرار المالي، والموانئ، والمناطق الاقتصادية، والطاقة، والتعدين، والسياحة والاقتصاد الرقمي.
ثم تُحدد مشاريع جاهزة للاستثمار، بعوائد واضحة، وإجراءات مختصرة، وجداول زمنية معلنة، ومسؤولية مؤسسية واحدة تتابع المستثمر من الفكرة إلى التشغيل.
فـBBB- ينبغي ألا يبقى خبراً في وكالة أنباء، ولا رقماً في تقرير مالي؛ بل ينبغي أن يتحول إلى قائمة مستثمرين، ومشاريع موقعة، ورؤوس أموال تدخل عُمان.
ذلك هو الاختبار الحقيقي للرقم: أن نرى أثره في الاقتصاد، لا أن نكتفي بقراءته على الورق.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة