مقال | حين تتقدم الأدوات وتبقى الذاكرة

د. قاسم بن محمد الصالحي |

ليس في التقدم ما يدعو إلى الخوف، ولا في التكنولوجيا ما يوجب علينا أن نخاصم العصر. فالإنسان إنما تقدم لأنه لم يرضَ أن يقف عند حدود ما ورث، فأعمل عقله، ووسّع معرفته، واخترع من الأدوات ما جعل البعيد قريباً، والمجهول قابلاً للسؤال، والزمن أسرع من ذي قبل.

ولكن السؤال الذي يستحق أن نقف عنده اليوم ليس: إلى أين بلغت التكنولوجيا؟. وإنما: إلى أين بلغ الإنسان معها؟.

في عُمان، يستطيع المرء أن يرى هذا السؤال ماشيًا في الشارع، لا مكتوباً في كتاب. ترى الجد جالسًا في مجلس البيت، إلى جواره فنجان قهوة ودلة، يحكي لحفيده عن سفر قديم إلى البحرين أو زنجبار أو الهند، بينما يرفع الحفيد هاتفه بين حين وآخر ليرى عالماً آخر يبعد عنه آلاف الأميال. وبين الرجلين لا تقف قطيعة، وإنما يقف زمنان يحتاج أحدهما إلى الآخر.

وفي القرية، قد يمر الماء في الفلج هادئاً بين البيوت والنخيل، فيما يحمل شاب هاتفاً حديثاً يستطيع به أن يعرف أحوال الطقس وأسعار الأسواق وأخبار العالم في لحظة. المشهد بسيط، لكنه يقول شيئاً عميقاً: ليست المسألة أن نختار بين الفلج والهاتف، وإنما أن نعرف كيف نحمل معنى الفلج ونحن نمسك بالهاتف.

لقد كان الفلج أكثر من قناة للماء؛ كان درسًا في النظام والحق المشترك. وكانت النخلة أكثر من شجرة؛ كانت جزءاً من اقتصاد البيت وذاكرة المكان. وكان المجلس أكثر من غرفة؛ كان مدرسة يتعلم فيها الصغير كيف يستمع قبل أن يتكلم، وكيف يعرف الرجال بأسمائهم وقصصهم، وكيف تكون الكلمة مسؤولية.

واليوم دخلت هذه المعاني عصراً جديداً. لم تعد الحكاية تنتظر اجتماع الأسرة حول الموقد، فقد يستطيع الحفيد أن يسجل صوت جده، ويحفظه في هاتفه، ويرسله إلى أخته التي تدرس بعيداً، أو إلى ابن عمه في بلد آخر. هنا تستطيع التكنولوجيا، إن أحسنّا استخدامها، أن تكون جسراً للذاكرة لا قبراً لها.

لكن الخطر يبدأ حين يصبح الجيل الجديد أكثر معرفة بالعالم من معرفته بمكانه، وأكثر حفظاً لوجوه المشاهير من وجوه أهله، وأكثر قدرة على البحث في تاريخ الآخرين من القدرة على سؤال جده عن تاريخ بيته وقريته.

والهوية الجيلية لا تعني أن يعيش الأبناء كما عاش الآباء. فلا أحد يطلب من شاب عُماني أن يترك الجامعة أو التقنية أو السفر ليعود إلى حياة الأمس. إنما المطلوب أن يمضي إلى المستقبل وهو يعرف من أين جاء؛ أن يعرف أن وراء المدينة الحديثة قرية، ووراء القرية نخلة، ووراء النخلة يداً زرعتها، ووراء تلك اليد حكاية جيل كامل.

إن عُمان التي صنعت حضورها في العالم بالسفن والبحر والموانئ، تستطيع أن تدخل العصر الرقمي دون أن تفقد بوصلتها. فكما حملت سفنها قديمًا اللبان والتمر والخيول إلى موانئ بعيدة، تستطيع اليوم أن تحمل إلى العالم معرفة جديدة واقتصاداً جديداً وصورة جديدة من الحضور، بشرط ألا تترك ذاكرتها على رصيف الماضي.

لقد تتغير الأدوات، وستصبح أكثر ذكاءً وسرعة. لكن الإنسان سيظل محتاجاً إلى بيت يعرفه، ولغة تشبهه، وحكاية ينتمي إليها.

وربما كان أجمل ما نستطيع أن نفعله لأبنائنا ألا نقول لهم: كونوا مثلنا، وإنما أن نقول: اذهبوا أبعد منا، ولكن لا تنسوا الطريق الذي جئنا منه.

فحين يتغير كل شيء من حولنا، ليست الحكمة أن نمنع الذاكرة من التغير، بل أن نمنعها من الضياع.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*