مقال | حين ينتصر الإنسان

د. قاسم بن محمد الصالحي|

ليس أثقل على الأرض من حربٍ تظن أنها انتصرت، بينما هي في الحقيقة قد هُزمت في الإنسان. فالأوطان لا تُقاس بما بقي من حصونها، وإنما بما بقي في قلوب أهلها من طمأنينة، ولا تُعرف قوة الأمم بعدد ما تملك من السلاح، وإنما بقدرتها على أن تجعل الحياة أكرم من الموت، والمستقبل أوسع من الخوف.

إن التاريخ، ذلك القاضي الذي لا تغريه الهتافات، لم يمنح الخلود لقاتل، وإن علا صوته، ولا لمُنتصر بالسيف، وإن اتسعت رقعة ملكه؛ وإنما حفظ أسماء الذين أعادوا للإنسان حقه في أن يعيش آمناً، ويختلف بسلام، ويبني بدلاً من أن يهدم، ويصافح بدلاً من أن يقبض على الزناد.

ما أكثر ما تتزاحم في هذا العالم رايات القوة، وما أقل ما ترتفع فيه راية الرحمة. حتى كأن الإنسان أصبح آخر ما يُلتفت إليه، مع أنه أول الغايات وآخرها. فإذا تعطلت الحكمة، تكاثرت المقابر، وإذا غاب الحوار، حضرت البنادق، وإذا استُبيحت الكرامة، لم يبقَ لوطنٍ معنى، ولا لانتصارٍ قيمة.

وليس السلام كلمةً تُقال عند نهاية الحروب، بل هو ثقافة تُبنى قبل أن تبدأ. هو أن تؤمن الأمم بأن أمنها لا يقوم على خوف الآخرين، وأن ازدهارها لا يُشيَّد على أنقاض غيرها، وأن الكرامة الإنسانية لا تتجزأ، فإذا انتُهكت في بقعةٍ من الأرض، اهتز ضمير العالم كله، وإن تأخر في الاعتراف بذلك.

لقد علّمنا الزمن أن النار لا تشبع من الحطب، وأن الثأر لا يلد إلا ثأراً، وأن الدم إذا صار لغةً بين الأمم، خرس العقل، وضاعت الحكمة، وتاهت الأجيال في ميراثٍ من الأحقاد لا تعرف له بداية ولا نهاية.

سيأتي يومٌ تُطوى فيه خرائط المعارك، وتصدأ الأسلحة التي كانت تبعث الرعب، وتبقى حقيقة واحدة لا يغيّرها الزمن: أن الإنسان كان دائماً أغلى من الأرض التي تقاتل عليها الجيوش، وأن الأمن البشري هو أعظم انتصار يمكن أن تحققه الحضارات، وأن السلام ليس هدنةً بين حربين، بل عهدٌ أخلاقي بين البشر جميعاً، يحفظ الحياة، ويصون الكرامة، ويجعل من الاختلاف طريقاً للتعارف لا سبباً للفناء.

فإذا أرادت الإنسانية أن تكتب فصلاً جديداً في كتابها الطويل، فلتكتبه بالحكمة قبل القوة، وبالحوار قبل الخصام، وبالعدل قبل الغلبة؛ لأن الأمم التي تنتصر للإنسان، هي وحدها التي ينتصر لها التاريخ.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*