مقال | على حافة الصمت.. حين تعلو الطبول

د. قاسم بن محمد الصالحي|

في الخليج اليوم، لا حرب تُعلَن ولا سلام يُطمئن، بل حالة معلّقة بين إيقاعين متناقضين: طبول تُقرع في العلن، ومصالح تتحرك بصمت في الخفاء. المشهد يبدو كلوحة مشدودة الأعصاب؛ تصريحات حادة، واستعراض قوة، يقابله اقتصاد يواصل العمل كأنه يرفض الاعتراف بإمكانية الانفجار.

في العمق، لا تزال شبكة المصالح غير المرئية تمسك بخيوط التوازن. حركة التجارة، تدفقات المال، وسلاسل الإمداد تشكّل جميعها بنية صامتة تقاوم منطق المواجهة. هذه المصالح لا تتحدث في الإعلام، لكنها تفرض حضورها في الحسابات الدقيقة لكل الأطراف، وكأنها تقول: الاقتراب من الحافة ممكن، لكن السقوط مكلف للجميع.

في المقابل، هناك من يدفع نحو التصعيد، مدفوعاً بحسابات القوة وإعادة رسم موازين الردع. لغة الضغط القصوى تغري أصحابها بإمكانية تحقيق مكاسب سريعة، لكنها تتجاهل هشاشة البيئة المحيطة. فالجغرافيا هنا ليست مسرحاً بعيداً، بل مساحة حساسة، أي ارتجاج فيها يتردد صداه فوراً في الاقتصاد والأمن معاً.

الخطورة لا تكمن في قرار الحرب بقدر ما تكمن في احتمالية الخطأ. في بيئة تتراكم فيها الرسائل المتناقضة وتتآكل فيها الثقة، قد تتحول خطوة محسوبة إلى شرارة غير مقصودة. عندها، لا تعود النوايا كافية لاحتواء النتائج.

وسط هذا التوتر، تحاول الأطراف الإقليمية إدارة معادلة دقيقة: شراكات أمنية من جهة، وقنوات تهدئة من جهة أخرى. ليس تناقضاً بقدر ما هو إدراك لحقيقة واحدة: أن الانكشاف الكامل خطر، وأن التوازن -حتى الهش- أفضل من المجهول.

الخليج اليوم ليس على أبواب حرب شاملة، لكنه بالتأكيد ليس في منطقة أمان. إنه يقف على حافة صمتٍ ثقيل، حيث تتجاور الحسابات الباردة مع احتمالات ساخنة. وفي مثل هذه اللحظات، لا يكون الرهان على من يقرع الطبول أعلى، بل على من ينجح في إبقاء الإيقاع تحت السيطرة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*