مقال | “قطرة.. وقطرة تصير وادي”

د. قاسم بن محمد الصالحي| 

لم تكن الحكمة في مجتمعاتنا يوماً حدثاً مفاجئاً، ولا قراراً صاخباً يُتخذ دفعة واحدة، بل مساراً هادئاً يشبه الماء في طبعه وسلوكه: يبدأ قطرة، ثم تتبعها قطرة، حتى تتشكّل مع الزمن أودية تغيّر شكل الأرض، وتمنحها الحياة. هكذا وُلدت المشيخة في معناها الأصيل، وهكذا استمر أثرها حين فُهمت بوصفها حكمة تُختار، لا وجاهة تُطلب.

المشيخة، في أصلها الاجتماعي، لم تكن لقباً للتفاخر، ولا موقعا

 للظهور، بل كانت تكليفاً معنوياً يضعه المجتمع في يد من يثق بعقله قبل اسمه. فحين يلتف الناس حول شيخ، فإنهم لا يمنحونه امتيازاً، بل يأتمنونه على التوازن، وعلى ضبط الإيقاع حين تختل النبرة، وعلى جمع الكلمة حين تتشظى الآراء. إنها قطرة حكمة في كل موقف، لكنها مع الزمن تصنع وادي استقرار لا يُقدّر بثمن.

وفي التجربة العُمانية، يتجلى هذا المعنى بوضوح خاص. 

فقد عرفت عُمان مشيخة لم تُبنَ على الغلبة ولا على الصوت العالي، بل على الرشد والاتزان. لم تكن المشيخة هنا سلطة تنازع الدولة، ولا واجهة اجتماعية تبحث عن الضوء، بل عقلاً جمعياً يُستدعى عند الحاجة، ويغيب حين لا تكون له ضرورة. وهذا أحد أسرار الاستقرار العُماني الممتد: حكمة تعمل بصمت، وتتراكم أثراً، قطرة إصلاح ذات بين، وقطرة تهدئة خلاف قبل أن يكبر، وقطرة دعم لمبادرة محلية، وقطرة كلمة موزونة في لحظة احتقان.. ثم لا يلبث المجتمع أن يكتشف أن هذه القطرات الصغيرة قد صنعت واديًا من الثقة، ومجرى آمناً لعبور التحولات دون صدام.

ومع قيام الدولة الحديثة وتنامي مؤسساتها، لم تنتفِ الحاجة إلى المشيخة، بل تغيّر موقعها. فالقانون، مهما بلغ إحكامه، يحتاج إلى قبول اجتماعي، والقرار، مهما كان صائباً، يحتاج إلى من يُمهّد له في النفوس. وهنا تتجلى المشيخة بوصفها حكمة جامعة تُكمل عمل الدولة ولا تُزاحمه، وتخفف كلفة القرار بدل أن ترفعه، وتُقرّب المؤسسات من الناس دون أن تُضعف هيبتها.

الخلل لا يقع حين تتغير الأدوار، بل حين يُساء فهمها. فالمشيخة لا تُختزل في الوجاهة، لأن الوجاهة مطلب فردي، بينما الحكمة مسؤولية جماعية. ومن ظنّ أن المشيخة حضور في المناسبات فقط، فقد غفل عن أن أعظم أدوارها تُمارَس بعيداً عن الأضواء، حيث تتراكم القطرات بصبر، ويُصان المجتمع من أزمات لم تقع أصلاً.

وفي عُمان، حيث العلاقة بين المجتمع والدولة قائمة على الثقة والتكامل لا الشك والتنافس، تبقى المشيخة أحد أعمدة هذا التوازن. ليست حالة موازية للمؤسسات، ولا بديلاً عنها، بل شراكة هادئة معها. شراكة لا تُقاس بعدد التصريحات، بل بعدد المشكلات التي لم تتفاقم، وبكمّ الخلافات التي ذابت قبل أن تتصلّب.

العظة التي يحملها هذا المفهوم بسيطة في ظاهرها، عميقة في معناها: لا تستهِن بالقطرة، فالوادي لم يُخلق دفعة واحدة، ولا تستخف بالحكمة الصامتة، فهي التي تحرس المجتمعات من الانكسار. فالمشيخة، حين تُختار للحكمة، لا تشيخ؛ وحين تُمارَس بوصفها خدمة لا وجاهة، تصبح أثراً جارياً؛ وحين تضيف كل يوم قطرة صدق إلى مجرى العمل المجتمعي، فإنها تُسهم، دون ضجيج، في صنع وادٍ نحتمي به جميعاً.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*