د. قاسم بن محمد الصالحي|
في كل مرة يلوّح فيها العالم بإغلاق ممرٍ بحري، كأن الذاكرة القديمة تنهض من قاع الماء، حاملةً صدى صراعٍ لم ينتهِ، بل غيّر ملامحه فقط. ليس مضيق هرمز مجرد جغرافيا، ولا باب المندب مجرد معبرٍ للسفن؛ إنهما شريانان لزمنٍ حديث، يختزن في عمقه تاريخاً طويلاً من التنافس على الطرق قبل الأرض.
في القرون الماضية، حين تنافست بريطانيا وفرنسا وهولندا على البحار، لم تكن المعارك تُخاض دائماً على اليابسة، بل كانت تُحسم فوق الموج، حيث تُقطع الطرق، وتُحاصر التجارة، ويُعاد رسم العالم من على ظهر سفينة. كان البحر آنذاك ميدان القوة، ومن يملك مفاتيحه يملك مصير الآخرين.
اليوم، يبدو المشهد مختلفاً في ظاهره، لكنه يحمل الروح ذاتها. التهديد بإغلاق ممرٍ بحري لم يعد يعني إضعاف خصمٍ بعينه، بل اختباراً لقدرة العالم على تحمّل اختناق ذاته. فالعالم الذي نسج اقتصاده على خيوط البحر، لم يعد يحتمل أن تُشدّ هذه الخيوط دون أن ترتجف كل الأطراف.
لكن العبرة التي لا تتغير، أن من يظن أن السيطرة على البحر تعني امتلاك المستقبل، يغفل أن البحر نفسه لا يُملَك. هو مساحة مفتوحة للعبور، لا للاحتكار، وممرٌ للحياة لا أداة لخنقها. وكلما حاولت قوة أن تغلقه، فتحت أبواباً أخرى للفوضى لا يمكن السيطرة عليها.
هكذا يذكّرنا التاريخ، لا بوصفه حكاية مضت، بل كمرآةٍ لما قد يأتي. فحين يضيق البحر بقرارات السياسة، تتسع الذاكرة لتقول: إن الطرق التي خُنقت بالأمس، أعادت تشكيل العالم.. لكن بثمنٍ لم ينجُ منه أحد.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة