د. قاسم بن محمد الصالحي|
في الشرق الأوسط، لا تسقط القوى فجأة، ولا تبقى كما كانت. المنطقة، التي بدت لفترة طويلة ساحة للهيمنة الأحادية، تواجه اليوم واقعاً جديداً؛ واقعاً يعيد رسم حدود القوة ويقيد حرية الحركة، دون أن يلغي الدور الإقليمي لأي طرف. القوى الإقليمية —إيران، تركيا، والخليج – قد لا تقضي على نفوذ أي قوة صلبة، لكنها قادرة على تقليصه وإعادة ضبطه عبر موازنة النفوذ، وضغط الردع، ورفع كلفة كل تحرك.
الأمر أشبه برقصة معقدة بين التوازنات، حيث كل خطوة محسوبة، وكل حيلة سياسية أو عسكرية تُقابَل برد مضاد. لم تعد الهيمنة تُقاس بضربات خاطفة أو تفوق تقني فحسب، بل بمدى قدرة القوة على التحمل، واستمرار الردع، وضبط النفس السياسي في الوقت نفسه. ومع تبدل الرأي العام الغربي وتآكل السرديات التي دعمت الأحادية في القرار، يضاف ضغط داخلي جديد عبر الهجرات الاقتصادية والبشرية، ما يزيد كلفة الحفاظ على الاستقرار.
في هذا المناخ، تصبح القدرة على البقاء مزيجاَ من المرونة والتكيف، وليس مجرد القوة العسكرية. إدارة الصراع بذكاء، التحالفات الاستراتيجية، والردع التكنولوجي، كلها أدوات ضرورية للحفاظ على الدور الإقليمي رغم الاستنزاف. القوى الإقليمية التي تسعى لتقييد النفوذ ستعمل على إعادة رسم الحدود والسلوك، لا القضاء الكامل، لضمان توازن مستدام يحد من التجاوزات ويعيد توزيع النفوذ.
الدرس لكل متابع: القوة ليست مجرد حجم أو تسليح، بل فهم لحظة التحول، واستثمار لحظة الضعف، والقدرة على ضبط الواقع بدل محاربته. المنطقة اليوم ليست ساحة انتصار واحد، بل مسرح توازنات دقيقة.. حيث البقاء لمن يعرف قراءة التحول والتصرف بحكمة.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة