مقال | الجراف.. القاضية التي تعانق الأرض

د. قاسم بن محمد الصالحي|

أنا الجراف، روح السماء التي تهبط على الأرض حين تستعد القلوب للدهشة والخوف معاً. لا آتي هادئة، ولا أرحل دون أن أترك بصمة في كل حجر وطين، في كل وادٍ وقرية. أتى الناس ليواجهوني، يركضون، يصرخون، يحاولون الإمساك بما يمكن الإمساك به، لكن قوتي أقدم من كل خططهم وأقوى من كل احتياطاتهم.

أتسلق الجبال، أنحدر في الوديان، أغمر الحقول، وأرفع الطين كما لو كنت أعيد تشكيل الأرض. أصنع الرعب في النفوس، وأثير الخوف في القلوب، ولكن من بين كل هذه الفوضى يولد درسٌ كبير: الإنسان صغير أمام إرادتي، ولكنه قادر على الامتنان والصبر.

ثم، بعد كل جريان، أغير وجهي. أترك الأرض تهدأ، وتفتح ذراعيها للحياة من جديد. تتفتح النباتات، تتجمع المياه، وتعود الحقول خصبة. أكون إذاً معلمة ورازقة، أذكر الناس أن كل نهاية تحمل بذرة بداية، وكل موجة جارفه تحمل وعدًا بالمطر الذي يعيد ترتيب كل شيء.

أستمع لصلواتهم، لدهشتهم، لشكرهم الصامت، وأعرف أنهم يتعلمون مني شيئاً أعمق من الخوف: أن الطبيعة لها إرادة، وأن الامتنان لما يأتي من السماء أقوى من كل معارك البشر. أترك لهم الأرض مرتاحة، والقلوب متعلمة، وذكريات عني تتناقلها الأجيال.

هكذا أستمر في رحلتي، بين الدمار والحنان، بين الألم والفرح، بين الخوف والشكر. أرحل لأعود، وأعود لأرحل، لكنني دائماً أترك الحياة تتجدد، والقلوب تتعلم، والأرض تتنفس، وتستعد لقصصي القادمة. أنا الجراف، القاضية والرازقة، القوة التي تهدد وتحيي، والدرس الذي لا ينسى.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*