مقال | حين تُختزل الفروق.. يتكاثر اللغط

د. قاسم بن محمد الصالحي|

ليست المشكلة في تنظيم سوق العمل، فكل سوق بلا ضوابط يختلّ ميزانه، وتضيع فيه العدالة بين العامل وصاحب العمل، الإشكالية تنشأ حين تُختزل الفروق، ويُخاطَب الجميع بلسانٍ واحد، وكأن التفاصيل لا وزن لها، عندها تبدأ ردّات الفعل، ويتكاثر القيل والقال، لا رفضاً للمبدأ، بل احتجاجاً على الطريقة.

في سلطنة عُمان، يشكّل صغار المقاولين والحرفيين جزءاً حياً من الدورة الاقتصادية اليومية، هؤلاء يعملون في قطاعات شاقة كالمقاولات والحدادة والنجارة، حيث لا تزال فجوة الإقبال المهني قائمة، حين تصلهم رسائل تنظيمية عامة، لا تفرّق بين مؤسسة تضم عاملين وشركة تدير عشرات المشاريع، يشعرون بأن واقعهم لم يُقرأ كما هو.

المنظومات الإلكترونية صُممت لتُسهّل، لكنها إن غابت عنها الدقة في الفرز، قد تتحول إلى مصدر إرباك، رسالة موحّدة تُرسل للجميع قد تُفهم على أنها إنذار شامل، فيرتفع القلق، وتتسارع التأويلات، وتسبق الشائعة التوضيح، هنا لا تكون المشكلة في القرار ذاته، بل في غياب التخصيص والشرح المرحلي.

المجتمع بطبيعته يسأل قبل أن يحتج، لكنه إذا لم يجد إجابة واضحة، يصنع روايته الخاصة، ومن فراغ التواصل تنمو المبالغات، ويختلط النقد المشروع بالظنّ، السوق يحتاج إلى تنظيم، نعم، لكنه يحتاج أيضاً إلى حساسية تُدرك الفارق بين من يعمل على هامش الربح الضيق، ومن يملك وفرة الخيارات.

العدالة التنظيمية ليست مساواة حسابية، بل قراءة دقيقة للأحجام والقطاعات والقدرة على التكيّف، وحين يُحسن تصميم الرسائل، وتُراعى الفروق، يتحول النظام إلى عامل طمأنينة لا مصدر توجّس، أما إذا اختلطت الأصوات في رسالة واحدة، فسيبقى اللغط أعلى من المقصد، ويظل النقاش يدور حول الأسلوب بدل أن ينصرف إلى جوهر الإصلاح.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*