مقال | بين المدّ واليابسة

د. قاسم بن محمد الصالحي|

في عُمان، لا يُفاجئك الواقع، بل يقترب منك على مهل، كما تفعل الشمس عند الغروب؛ لا تُعلن عن نفسها بضوءٍ حاد، لكنها تغيّر لون السماء كل دقيقة. هكذا تبدو التحوّلات حين تُرى من الداخل: لا ضجيج، لا انكسارات حادّة، بل انتقال بطيء من يقينٍ إلى آخر، ومن إيقاعٍ مألوف إلى إيقاعٍ أكثر حذراً.

العالم من حولنا لم يعد مستقرّاً بما يكفي ليُطمئن أحدًا. الاقتصاد الدولي يعيد تعريف نفسه، والسياسة العالمية تتخلّى عن لغتها القديمة، والحروب لم تعد أحداثاً بعيدة تُشاهَد في الأخبار، بل عوامل ضغط غير مرئية تصل آثارها إلى تفاصيل الحياة اليومية. تتغيّر الأسعار، تُعاد حسابات الأولويات، ويصبح المستقبل أقل قابلية للتنبؤ، حتى لدى الدول التي اعتادت السيطرة على مساراتها.

في هذا المشهد المتقلّب، تقف عُمان في منطقة بينية، لا تنجرف مع التيار، ولا تدّعي القدرة على الوقوف خارجه. تاريخها الطويل علّمها أن النجاة ليست في السرعة، بل في القراءة الجيدة للموج. لذلك تبدو الحركة أحيانا

 أبطأ مما يريده البعض، لكنها في حقيقتها حركة محسوبة، تحاول أن توازن بين ما يطلبه الزمن وما تسمح به الأرض.

في الداخل، تتراكم الأسئلة كما يتراكم الغبار على الطرق البعيدة: بهدوء، دون أن يلاحظه أحد في البداية. أسئلة عن العمل، عن الاستقرار، عن جدوى الجهد الفردي في عالم متحوّل. ليست أسئلة غاضبة بقدر ما هي أسئلة واقعية، تنبع من احتكاك يومي بين الطموح الشخصي وحدود الممكن العام. هنا، لا يتحوّل السؤال إلى صرخة، بل إلى صمتٍ طويل، والصمت في المجتمعات الهادئة لغة كاملة.

الواقع الميداني بدوره ليس كتلة واحدة. هو شبكة من الالتزامات، والموارد المحدودة، والتوقيتات الحسّاسة. كل قرار مرتبط بسياق أوسع، وكل خطوة محكومة بحسابات لا تظهر على السطح. الزمن، في هذه المعادلة، ليس محايدًا؛ هو عنصر ضغط، لكنه أيضاً مساحة للمراجعة، ولإعادة ترتيب ما يمكن تأجيله وما لا يحتمل الانتظار.

ما يتشكّل في هذه المرحلة هو حالة رمادية مألوفة في التاريخ العُماني. لا رخاء كامل ولا أزمة خانقة، بل منطقة وسطى تختبر فيها المجتمعات قدرتها على الاحتمال، وتختبر فيها الدول قدرتها على الاستمرار دون أن تفقد توازنها. في هذه المنطقة، لا تُتخذ القرارات الكبرى دفعة واحدة، بل تُجزّأ، وتُمرَّر بصمت، ويُراهن فيها على الوقت بوصفه شريكاً لا عدواً.

الهوية هنا لا تُرفع كشعار، بل تعمل كآلية داخلية لضبط الإيقاع. هي ذاكرة جمعية تعلّمت أن التكيّف ليس ضعفاً، وأن الثبات لا يعني الجمود. لذلك لا يبدو التأثير الدولي صادمًا، رغم ثقله، لأنه يُستقبل بعقلية اعتادت أن تعيش على تخوم التحوّلات، لا في قلبها ولا خارجها.

في هذا السياق، لا تظهر السردية بطلاً واضحاً أو خصماً محدداً. الجميع جزء من المشهد: مجتمع يراقب بصمت، واقع يضغط دون إنذار، ودولة تحاول أن تحافظ على خط رفيع بين الطموح والانكسار. سردية بلا ذروة درامية، لكنها مليئة بالانتظار، وبالإحساس بأن الحركة، مهما بدت بطيئة، لا تزال حركة.

هكذا تمضي عُمان اليوم: تمشي بمحاذاة العالم، لا تسابقه ولا تتخلّف عنه كثيرًا. تترك له صخبه، وتحتفظ لنفسها بهدوءٍ عميق، تعرف فيه أن الطريق لا يُقاس بسرعة الوصول، بل بالقدرة على الاستمرار دون أن يتبدّل الوجه، ودون أن تضيع الملامح بين المدّ واليابسة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*