مقال| لماذا يستحق المتقاعد الراحة؟. 

د. قاسم بن محمد الصالحي|

حين تبلغ سنوات العمر ذروتها، ويصبح جسد الإنسان أثقل من الأحلام، تتبدّل الأولويات، ويصبح العمل اليومي، الذي كان يوماً فخراً وعطاءً، عبئاً لا يحتمل. المتقاعد، بعد رحلة طويلة من الجهد والكفاح في خدمة الأسرة والوطن، يجد نفسه أمام تحديات الحياة اليومية التي قد تصغر أمامها طاقته، وتثقل قلبه قبل جسده. إدارة المنزل، متابعة الاحتياجات، التنقل بين الدوائر والمصالح، كلها أعباء كان يتحملها شبابه باندفاع، لكنها في هذه المرحلة تصبح أحيانًا عبئًا ثقيلًا لا يطاق.

في هذا السياق، يصبح إعفاء المتقاعد من رسوم استقدام خادم المنزل والسائق الخاص مسؤولية إنسانية قبل أن تكون مالية. إنها رسالة تقدير واعتراف رسمي بتضحياته، وتأكيد أن المجتمع والدولة يدركان أن من أفنى حياته في العطاء يستحق اليوم أن يُخفف عنه ما يمكن تخفيفه.

ليس الحديث هنا عن رفاهية، بل عن كرامة إنسانية أصيلة. فالمتقاعد الذي أنهكته السنوات، أو تقلّت قدراته، يحتاج إلى دعم ملموس يسهل له الحياة اليومية، ويمنحه حقه الطبيعي في الراحة والطمأنينة. هذا الإعفاء ليس ترفاً، بل حق يستحقه من سخر شبابه وجهده في خدمة الوطن وأسرته.

وعلى الصعيد الاجتماعي، فإن توفير هذا الدعم يعزز الاستقرار الأسري، ويخفف من الضغوط النفسية والاقتصادية، ويتيح للمتقاعد المشاركة الإيجابية في حياة أسرته ومجتمعه، دون أن يكون عبئاً عليهم أو عليهم. ومن الناحية الاقتصادية، هو استثمار في كرامة المواطن واستدامة تماسك الأسرة، لا تبديد للموارد.

الدولة التي تهتم بكبارها لا تكتفي بالشعارات، بل تقدم لهم الرعاية العملية التي تستحقها. إعفاء المتقاعد من رسوم الاستقدام، ولو جزئياً، هو أكبر شهادة على تقدير الوطن لمن أعطى زهرة شبابه وجهده لخدمته. إنها خطوة بسيطة في الإجراءات، لكنها عميقة في أثرها الإنساني والاجتماعي، دليل على أن المجتمع يقدر كباره ليس بالكلمات، بل بالفعل.

إننا نناشد صانع القرار اليوم، ونحن نرى المتقاعدين يثقلهم عبء الحياة اليومية، أن يجعلوا هذا الإعفاء واقعًا ملموساً، خطوة نحو حماية كرامة الإنسان بعد سنين طويلة من العمل والتفاني. فليكن هذا الإجراء واجباً وطنياً وإنسانياً، شهادة على عدالة المجتمع واهتمامه بأفراده الذين صنعوا مجده، وحقاً طبيعياً لكل متقاعد عاش عمره في خدمة الوطن والأسرة، واستحق أن يرى أيامه الأخيرة هادئة، كريمة، ومليئة بالراحة التي طالما حلم بها.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*