مقال | كيف يمكن للجامعات أن تصنع بيئة سياحية ذكية؟.

د. ناصر بن علي الجهوري|

لم تعد السياحة في عالم اليوم مجرد قطاع خدمي أو ترفيهي، بل أصبحت اختباراً حقيقياً لقدرة الدول على تحويل المعرفة إلى قيمة، والتقنية إلى تجربة، والمؤسسات الأكاديمية إلى شركاء فاعلين في التنمية. والسؤال الذي يفرض نفسه في هذا السياق: هل تستطيع الجامعات أن تتجاوز دورها التقليدي لتصبح مهندساً للبيئة السياحية الذكية؟.

إن الجامعات ومؤسسات التعليم العالي تمثل اليوم العقل المنظِّم القادر على إعادة هندسة التنمية السياحية، ونقلها من إطار الفعاليات العابرة إلى منظومة تنموية ذكية ومستدامة. فهي مراكز تفكير استراتيجي، ومنصات لإنتاج المعرفة التطبيقية، وبناء القدرات النوعية التي يتطلبها قطاع سياحي متحوّل ومتسارع.

ومن هذا المنطلق، تسهم الجامعات في صياغة رؤى سياحية تقوم على البحث العلمي الرصين، والتحليل المنهجي، والاستشراف المدروس للمستقبل، بما يرسخ مكانة السياحة بوصفها قطاعاً معرفياً يُدار بالعقل لا بالارتجال، ويُبنى على التخطيط لا على ردود الأفعال.

وتتجلى هذه المساهمة عبر منظومة متكاملة تشمل البحوث العلمية، والدراسات الميدانية، وبرامج التعليم المتخصص، التي تدعم التخطيط السياحي، وتطوّر إدارة الوجهات، وتُعزّز أدوات قياس الأثر الاقتصادي والاجتماعي والبيئي للسياحة. وهو ما ينعكس مباشرة على جودة القرار العام، وكفاءة السياسات السياحية، واستدامة الخيارات التنموية.

وفي هذا السياق، لم تعد التقنيات المتقدمة عناصر مساندة، بل أصبحت بنية أساسية معرفية تُدار بها الوجهات السياحية، وتُصاغ من خلالها التجارب، وتُقاس عبرها كفاءة الأداء. فالذكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات، وتقنيات الواقع الافتراضي والواقع المعزز، لم تعد أدوات تكميلية، بل مكونات رئيسية في إبراز المقومات الطبيعية والثقافية، وتعزيز جاذبية الوجهات، وتحسين التجارب السياحية.

ويمكن توصيف السياحة الذكية، في هذا الإطار، بأنها منظومة تُدار بالمعرفة، وتُحكم بالبيانات، وتُصمم التجربة فيها وفق فهم سلوك الزائر لا وفق افتراضات تقليدية. وهي مقاربة لا تتحقق إلا عندما تتكامل المعرفة الأكاديمية مع التطبيق العملي، وتتحول الجامعات إلى منصات ابتكار سياحي فاعلة.

ويبلغ هذا التكامل ذروته عندما تُبنى شراكات مؤسسية حقيقية بين الجامعات والجهات السياحية، وتُفعّل حاضنات الابتكار ومختبرات البحث التطبيقي، لتصبح جسوراً عملية لتحويل الأفكار إلى حلول، والمشاريع الطلابية إلى مبادرات ريادية، والبحث العلمي إلى قيمة اقتصادية ومعرفية مضافة.

وفي هذا السياق، يمكن للجامعات ومؤسسات التعليم العالي في سلطنة عُمان أن تجسّد نموذجاً تطبيقياً واعداً، إذ يتيح لها التمكين المؤسسي والمعرفي الاضطلاع بدورها المأمول في ربط المعرفة الأكاديمية بالواقع السياحي العملي، عبر برامج تعليمية متخصصة، وبحوث تطبيقية، وشراكات فاعلة مع الجهات المعنية بالقطاع. كما يسهم هذا التمكين في توظيف التقنيات الحديثة وتحليل البيانات لتطوير التجربة السياحية، وتأهيل كوادر وطنية قادرة على إدارة الوجهات السياحية بكفاءة عالية ورؤية استراتيجية واضحة.

كما تسهم هذه المنظومة المتكاملة في تمكين الشباب، وتعزيز ريادة الأعمال السياحية، وبناء وظائف نوعية قائمة على المهارات المتقدمة والمعرفة المتخصصة، بما يعزز القيمة المضافة للقطاع السياحي، ويرسخ استدامته، ويجعل من السياحة مسارًا تنمويًا واعياً.

إن توظيف الجامعات والتقنيات المتقدمة في التنمية السياحية يعزز مفهوم السياحة الذكية بوصفها نموذجاً تنموياً متكاملاً يوازن بين النمو الاقتصادي، وصون الهوية الثقافية والبيئية، ودعم تنويع الاقتصاد، وتعزيز القدرة التنافسية للدول والوجهات السياحية. فهي سياحة لا تُدار بردود الأفعال، بل تُبنى على الرؤية، ويقودها العلم، وتُحكمها البيانات.

وعليه، فإن الاستثمار في التعليم العالي، ودعم البحث العلمي، وتسريع تبنّي التقنيات الحديثة في القطاع السياحي، لا يُعد خياراً مرحلياً، بل مساراً استراتيجياً طويل الأمد، تتلاقى فيه المعرفة مع الابتكار، وتتحول فيه الجامعات إلى محركات للتنمية، وتغدو السياحة انعكاسًا لنضج الوعي، ورشد القرار، واستدامة النمو في خدمة التنمية الوطنية.

فالسياحة الذكية لا تبدأ من الوجهة، بل من العقل الذي يُديرها، والجامعة هي هذا العقل حين تُمنح الثقة والدور.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*