مقال |حين تُدار الرسائل بهدوء الدولة

د. قاسم بن محمد الصالحي|

ليس كل ما يُقال في السياسة يُقال بصوت عالٍ، وليس كل توجيه يحتاج منبراً. أحياناً تُدار الرسائل الكبرى بهدوء الدولة، وببلاغة الفعل لا ضجيج القول. من هذا الباب يمكن قراءة لقاءات جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم، حفظه الله ورعاه، بأعضاء مكتبي مجلس الدولة ومجلس الشورى، كلٌّ على حدة؛ لقاءات قصيرة في ظاهرها، عميقة في دلالاتها، تحمل إلى المجتمع قبل مؤسساته أكثر من معنى.

في الدولة الرصينة، لا يُستدعى الجمع حين يكون المقصود هو التفريق في المسؤولية. فاللقاء المنفرد لا يعني الفصل بقدر ما يعني الوضوح: لكل مؤسسة دورها، ولكل دور حسابه، ولكل مرحلة أدواتها. حين يجلس رأس الدولة مع مكتب كل مجلس منفرداً، فإنه لا يكرّس ازدواجية، بل يؤكد استقلالية الوظيفة وتكامل الغاية. فالتكامل الحقيقي لا يولد من التماثل، بل من اختلاف واعٍ يلتقي عند الهدف.

هذه اللقاءات تقول للمجتمع إن العمل العام ليس طقسًا شكليًا، ولا حضورًا بروتوكولياً يُستكمل بالصور والبيانات، بل مسؤولية تتقدم كلما ضاقت المساحات الرمادية. وتقول للمؤسسات إن المرحلة لا تحتمل الأداء المُطمئن إلى ذاته، ولا الخطاب المُصاغ بعناية لغوية يخلو من أثر واقعي. فالدولة، حين تنصت، لا تفعل ذلك بدافع المجاملة، بل بدافع القياس: ماذا أُنجز؟. وماذا تعثّر؟. وما الذي يمكن فعله الآن؟.

في العمق، ثمّة رسالة هادئة للمجتمع مفادها أن الإصلاح لا يُختزل في القوانين وحدها، ولا في الرقابة وحدها، بل في جودة العلاقة بين النص والواقع. مجلس الدولة، بخبرته وتراكمه، مطالب بأن يكون عقل الدولة الهادئ الذي يرى بعيدًا، لا مرآة تكرر ما هو قائم. ومجلس الشورى، بصوته المنتخب، مطالب بأن يكون ضمير المجتمع اليقظ، لا صدى للتذمر ولا منصة للشعارات. كلاهما مسؤول، لكن مسؤولية كلٍّ منهما مختلفة، ولهذا كان اللقاء مختلفاً.

واللافت في هذه الرسائل أنها لا تُصاغ على هيئة أوامر، بل تُبنى على منطق الثقة الممزوجة بالمساءلة. الثقة هنا ليست تفويضًا مطلقاً، بل امتحاناً مفتوحاً. والمساءلة ليست توبيخاً، بل تذكير بأن الدولة التي اختارت الهدوء منهجاً لا تتنازل عن الجدية معياراً.

للمجتمع، أيضاً، نصيب من هذه القراءة. فحين تتحدث الدولة مع مؤسساتها بهذا الشكل، فإنها تُحمّل المواطن مسؤولية مماثلة: أن يُحسن السؤال، وأن يُدرك أن التغيير مسار تراكمي، لا قفزة عاطفية. وأن المجالس لا تُقاس بحجم التصريحات، بل بقدرتها على تحويل القلق الاجتماعي إلى حلول، والاختلاف إلى تشريع، والتباين إلى توازن.

في زمن تتسارع فيه الأصوات، وتُختزل فيه السياسة إلى ردود فعل، تأتي هذه اللقاءات لتعيد الاعتبار لفكرة الدولة العاقلة: دولة تُفرّق لتُحسن الجمع، وتستمع لتُحسن القرار، وتُدير الزمن لا لتطارده. وهي رسالة تقول لنا جميعًا إن البناء لا يتم بالصخب، وإن الحكمة، حين تقود، لا تحتاج أن ترفع صوتها كي تُسمَع.

هكذا، لا تكون اللقاءات مجرد خبر عابر، بل نصًا مفتوحًا على المعنى. نصاً يُذكّرنا بأن الدولة حين تعرف ما تريد، تختار أدواتها بعناية، وتخاطب مجتمعها بثقة، وتترك للأثر أن يتكلم.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*