الدوحة تطلق نقاشاً عربياً جديداً حول السياحة الرياضية والإعلام عبر ملتقى “البعد الثقافي في السياحة الرياضية والإعلام”

الملتقى يضع “شراكة التأثير والهوية العربية” على طاولة العمل ويدعو لتحويل البطولات إلى منصات ثقافية واقتصادية مستدامة

الدوحة – مروان بن يوسف البلوشي |

على أرض الدوحة، وبالشراكة مع المؤسسة العامة للحي الثقافي – كتارا، عقدت مساء امس الاربعاء، أعمال ملتقى “البعد الثقافي في السياحة الرياضية والإعلام” الذي نظّمه الاتحاد العربي للسياحة الرياضية، تحت عنوان يعكس طبيعة المرحلة: “شراكة التأثير والهوية العربية”.

وجاء الملتقى بوصفه مساحة تجمع صُنّاع القرار والقطاع الخاص والإعلاميين والمهتمين، لمناقشة كيف يمكن للرياضة أن تتجاوز حدود المنافسة إلى صناعة تجربة سياحية وثقافية متكاملة، تُحسّن صورة المدن العربية وتخلق عوائد مستدامة وتُعزّز “القوة الناعمة” للمنطقة.

الملتقى، بحسب محاوره، لم يتوقف عند سرد النجاحات، بل حاول تحويلها إلى منهج قابل للتطبيق، خصوصاً في ظل ما شهدته المنطقة من استضافات كبرى خلال السنوات الأخيرة، وتحديدًا التجربة القطرية التي استحوذت على مساحة واسعة من النقاش بوصفها نموذجًا عربيًا عالميًا في توظيف الرياضة كجسر للتواصل وكرافعة سياحية واقتصادية.

قطر.. نموذج “الحدث الذي يحمل رسالة”

ورحّب الشيخ نايف بن عيد آل ثاني، رئيس مجلس إدارة مجموعة شركات رتاج، بالحضور في دولة قطر، مؤكداً أن الملتقى ينعقد في توقيت “بالغ الأهمية”، لأن الرياضة لم تعد مجرد منافسات، ولا السياحة مجرد حركة سفر، ولا الإعلام مجرد نقل خبر؛ بل أصبحت هذه القطاعات أدوات لصناعة الصورة الذهنية للدول وتعزيز هويتها وترسيخ حضورها إقليميًا ودوليًا. واستعاد آل ثاني ملامح التحول القطري منذ تبني رؤية مبكرة للاستثمار في الرياضة والثقافة والإعلام بوصفه استثماراً في الإنسان والهوية والقوة الناعمة، مشيراً إلى أن استضافة بطولات كبرى – وفي مقدمتها كأس العالم 2022 – قدمت نموذجاً لحدث عالمي “بروح عربية وثقافة أصيلة”.

ومن زاوية القطاع الخاص، سلط آل ثاني الضوء على دور الضيافة كجزء أصيل من منظومة السياحة الرياضية، معتبراً أن التجربة لا تُقاس بالملاعب وحدها، بل بما يشعر به الزائر في الفنادق والخدمات والفضاءات الثقافية. وتحدث عن تجربة “رتاج” كعلامة قطرية حاولت أن تقدم نموذج ضيافة يعكس الهوية القطرية والقيم العربية بروح عالمية، عبر استقبال الوفود الرياضية والإعلامية والتعاون مع الاتحادات في استضافة الفرق، بما يعزز التكامل بين سياحة الحدث والإعلام والقطاع الخاص.

السياحة الرياضية رسالة حضارية”

بدوره، أكد كامل أبو علي، رئيس الاتحاد العربي للسياحة الرياضية، أن الملتقى يأتي ضمن رؤية تعتبر الثقافة والرياضة والسياحة مسارات متكاملة “تسهم في بناء الصورة الذهنية للدول وتعزيز مكانتها”، في بلد أثبت أن الاستثمار في الإنسان والمكان هو جوهر الريادة.

وفي مقطع محوري من كلمته، وضع أبو علي تعريفاً صريحاً لما يعنيه الاتحاد بالسياحة الرياضية في المرحلة الحالية، قائلًا إن هذا القطاع “لم يعد نشاطاً موسمياً أو منتجاً اقتصادياً فحسب، بل أصبح أداة تأثير ناعمة ورسالة حضارية” تعكس الهوية العربية وتفتح آفاق التواصل بين الشعوب وتدعم التنمية المستدامة.

واستشهد رئيس الاتحاد بالتجربة القطرية باعتبارها نموذجاً عربياً رائداً، من خلال “النجاح العالمي اللافت” في تنظيم كأس العالم 2022 وبطولة كأس العرب، بما أكد قدرة الدول العربية على تنظيم أحداث كبرى بمعايير احترافية وبعد ثقافي وسياحي متكامل.

كما كشف عن توجه الاتحاد لتعزيز حضوره في الاستحقاقات القارية المقبلة، موضحاً أن الاتحاد يخطط للتواجد الفاعل في بطولة أمم أفريقيا القادمة بالمملكة المغربية عبر فعالية خاصة بالسياحة الرياضية بالشراكة مع جهات من قطاعي السياحة والرياضة وبمشاركة من الشركاء.

وشدد أبو علي على أن نجاح هذه الرؤية “لا يكتمل دون الإعلام”، الذي اعتبره شريكًا استراتيجيًا في نقل الرسالة وصناعة التأثير وتسليط الضوء على التجارب العربية الناجحة.

الإعلام.. من ناقل للحدث إلى “صانع وعي”

ومن منظور أوسع، جاءت كلمة أحمد بن محمد الجروان، رئيس المجلس العالمي للتسامح والسلام، لتضع الملتقى في إطار “القيم” التي ينبغي أن ترافق نمو السياحة الرياضية. فقد توجه بالشكر لدولة قطر على استضافة الملتقى ودورها في دعم الرياضة العربية والعالمية، مؤكدًا أن ذلك يعكس رؤية واعية لدور الرياضة في التقارب بين الشعوب وتعزيز التنمية وترسيخ الحضور العربي الإيجابي.

ثم انتقل إلى جوهر العلاقة بين الإعلام والسياحة الرياضية، مشدداً على أن الإعلام لم يعد ناقلًا للحدث فحسب، بل أصبح فاعلًا في تشكيل الوعي وتوجيه السلوك وترسيخ القيم المرتبطة بالروح الرياضية والتنافس النزيه.

ولفت إلى أن التكامل بين السياحة الرياضية والإعلام الهادف والسياسات الثقافية الرشيدة يقدّم “صورة عربية مشرقة ومتزنة” ويؤسس لشراكات مؤثرة بين المؤسسات والاتحادات والإعلاميين بما يخدم الهوية العربية ويعزز حضورها في المشهد الدولي.

اتحاد للاختصاص”

وفي كلمة الأمين العام للاتحاد العربي للسياحة الرياضية الدكتور سلطان بن خميس اليحيائي، برز الطابع المؤسسي للملتقى بوصفه خطوة تأسيسية في مسار عربي منظم. وأوضح اليحيائي أن تأسيس الاتحاد جاء استجابة لحاجة حقيقية لوجود كيان متخصص يكون “جهة اختصاص” في كل ما يتعلق بالسياحة الرياضية، يعمل على تنظيم هذا القطاع وتطويره وتعزيز دوره الاقتصادي والثقافي والإعلامي، بما يخدم الدول العربية ويواكب المعايير الدولية.

وسلط اليحيائي الضوء على ملامح عملية لدور الاتحاد، مثل الاعتمادات المهنية المتبادلة بين المنشآت الرياضية والسياحية، ورفع جودة التجربة والخدمات، وبناء الشراكات وتأهيل الكوادر وفتح آفاق الاستثمار. وأشار إلى أن اختيار قطر لاحتضان أولى فعاليات الاتحاد في منطقة الخليج يرتبط بتجربة تراكمية ممتدة – من دورة الألعاب الآسيوية 2006 وصولًا إلى نجاح كأس العالم 2022 وكأس العرب – كرّست مكانة قطر كمنصة عالمية في الرياضة والسياحة الرياضية.

توصيات الملتقى… 15 خطوة لتحويل الحدث إلى أثر

وعلى مستوى المخرجات، خرج الملتقى بحزمة توصيات حملت عنواناً واضحاً: الانتقال من “الاستضافة” إلى “الأثر”. ومن بين أبرز ما تضمنته التوصيات:
• الدعوة إلى تعزيز التكامل بين الثقافة والرياضة والسياحة عبر نهج عربي استراتيجي يصنع هوية جاذبة عالمياً.
• إطلاق “أسبوع السياحة الرياضية والثقافية العربي” كفعالية سنوية متنقلة تبرز الثقافة المحلية عبر أحداث رياضية كبرى.
• دعم منصات عربية رقمية متخصصة للترويج للسياحة الرياضية والثقافية محليًا ودوليًا.
• تشجيع الاستثمار في البنية التحتية السياحية والرياضية والثقافية عبر شراكات مبتكرة مع القطاع الخاص.
• تفعيل دور الإعلام الثقافي والرياضي في تشكيل الوعي عبر إنتاج برامج ووثائقيات ومسلسلات تدمج الرياضة بالثقافة.
• تمكين صناع المحتوى الشباب ببرامج تدريب ومبادرات تحفيزية لتغطية الأحداث بروح قيمية تعكس الهوية.
• إنشاء جوائز سنوية لتميز الإعلام في السياحة الرياضية.
• تأسيس مرصد عربي لرصد الأداء وإصدار الدراسات والتوصيات.
• توسيع صلاحيات الاتحاد ليكون جهة تنسيقية عليا تدعم المبادرات العربية وتبني شبكات تعاون.
• تعزيز دور المرأة العربية في السياحة الرياضية والإعلام الثقافي وإبراز نماذج ناجحة.
• إعداد دليل عربي للتجارب الملهمة (مثل التجربة القطرية) وتعميم الدروس المستفادة.
• إدراج السياحة الرياضية كرافد اقتصادي ضمن الخطط التنموية للدول العربية.
• إدخال مساقات تعليمية جامعية عن السياحة الرياضية والثقافية لتأهيل كوادر عربية.
• تخصيص مساحات دائمة في الإعلام الرسمي لتغطية الفعاليات بمنظور ثقافي.
• اعتماد الدوحة كنموذج في تدريب وتأهيل الكوادر العربية في السياحة الرياضية والإعلام.

هذه التوصيات، كما عكس نقاش الملتقى، لا تستهدف تنظيم بطولة فحسب، بل تقترح “بنية تشغيل” تجعل من كل فعالية قصة اقتصادية وثقافية وإعلامية قابلة للتكرار، مع مراعاة أن نجاح التجربة بات يُقاس بما يتركه الحدث بعد انتهائه: من كوادر مدرّبة، ومنصات محتوى، وصورة ذهنية إيجابية، واستثمارات جديدة.

شراكة التأثير” طريق عربي واعد
اللافت في الملتقى أنه لم يتعامل مع السياحة الرياضية بوصفها قطاعاً منفصلاً، بل كجسر يتقاطع عنده الاقتصاد والثقافة والإعلام والأمن المجتمعي والهوية. ومن هنا، بدت الدوحة – عبر شراكتها مع كتارا – مكاناً منطقياً لاستضافة نقاش من هذا النوع، لأنها تملك نموذجًا واضحًا لكيف يمكن للحدث الرياضي أن يصبح جزءًا من سردية وطن، ومن خطة تنمية، ومن رسالة حضارية.

وبين كلمات المسؤولين، برز خيط مشترك: إذا كانت الرياضة منصة جامعة، فإن نجاحها السياحي والثقافي يحتاج إلى هندسة شراكات لا تكتفي بالاحتفال، بل تبني منظومة مستمرة، منظومة تبدأ من التخطيط، تمر بالتجربة الميدانية، ولا تنتهي إلا بقياس الأثر.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*