د. قاسم بن محمد الصالحي|
حين يسأل المواطن عن المال العام ومسار الموارد، فإنه لا يثير شبهة، بل يعلن شراكة. السؤال هنا ليس اعتراضاً على الدولة، بل سعيٌ لفهم دوره فيها؛ رغبةٌ في أن يكون جزءاً من معادلة البناء لا مجرد متلقٍّ لنتائجها.
وقد دخلت عُمان مع رؤية 2040 مرحلة تحوّل عميق، تطلّبت إعادة هندسة أولويات الدولة وترتيب بيتها الاقتصادي من أساسه. ولعلّ من أهم تلك التحولات خفض الدين العام من 24 ملياراً إلى 14.4 مليار ريال، وهو قرار لم يكن سهلاً ولا سريعاً، لكنه كان ضرورة لضمان استقرار السفينة قبل الإبحار.
وهنا يحضر قول الخضر في أول درسه للنبي موسى عليهما السلام:
«أمّا السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر، فأردت أن أعيبها…»
فبعض الإجراءات-وإن بدت قاسية في ظاهرها-تجري لحماية الكل من خطر أكبر. تماماً كما تُتخذ قرارات مالية قد يشعر بها المواطن اليوم تضييقاً، لكنها في حقيقتها كانت درعاً يحمي الدولة من أعاصير اقتصادية كانت تلوح في الأفق. إصلاحٌ مؤلم، نعم.. لكنه إصلاح ينقذ السفينة من الغرق.
وإذا كان الاقتصاد قد شُدّ فيه الحزام في سنوات حرجة، فقد جاء الفائض المالي ليمثل فرصة لإعادة توزيع الجهد على التعليم والصحة والبنية الأساسية. وهذه الاستثمارات لا تُثمر فوراً، ولا تعطي نتائجها بين ليلة وضحاها. بعضها طويل النفس، وبعضها يحتاج زمناً ليظهر أثره في سوق العمل وجودة الحياة.
وفي هذا السياق يتردد الدرس الثاني من قصة الخضر مع موسى:
«وأمّا الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يُرهقهما طغياناً وكفراً…»
فما يُستقطع أو يُعاد توجيهه اليوم قد يكون رفعاً لبلاء مستقبلي، أو درءاً لمشكلة أعظم. بعض القرارات التنموية ليست شائعة شعبياً، لكنها ضرورية لحماية المجتمع من اختلالات مستقبلية في التشغيل، أو في التعليم، أو في الخدمات، لو تُركت دون معالجة. إنها حكمة لا تُرى نتائجها في اللحظة، ولكن يتجلّى أثرها حين يتقدم الزمن خطوة.
ومع ذلك، يبقى المواطن محقاً في أسئلته، صادقاً في رغبته بالوضوح. فالناس يشعرون بضغط تحديات يومية، من كلفة المعيشة إلى فرص العمل. وهنا يأتي دور الشفافية كجسر بين الدولة ومواطنيها، لا كنافذة لمجرد الاطلاع. وقد قطعت الحكومة شوطاً مهماً في نشر البيانات المالية، وتوضيح آليات الصرف، وتعزيز الحوار العام.
لكن الثقة تُبنى بالتراكم، وبالفهم المشترك للتحديات. وهي تذكّرنا بقول الخضر في ثالث مواضع الحكمة:
«وأمّا الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة.. فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما…»
فبعض المشروعات-كالجدار-تُقام اليوم لأجل غدٍ قد لا نراه كاملاً الآن. مشاريع البنية الأساسية، وتطوير الموانئ والمطارات، والتحول الرقمي، وتنمية المحافظات.. كلها جدران تُشَيَّد ليجد الأبناء كنزهم حين يبلغون أشدّهم.
إن الحوار بين الدولة والمجتمع ليس رفاهية، بل ضرورة لبناء الثقة. المواطن الواعي حين يسأل، يرفع سقف الكفاءة، ويذكّر بأن الوطن ليس ملكاً لجهة دون أخرى، بل هو مشروع الجميع.
ولا الصمت فضيلة إذا جَمَّد الإصلاح، ولا التشكيك قيمة إذا شلّ المسار. بين طرفي الإفراط والتفريط مساحة اسمها: الشراكة.
وكما لا تسير السفينة بلا ربان، فإنها لا تبلغ الشاطئ بلا بحّارة. وعُمان-بسفينتها، وبربّانها الحكيم، وبأبنائها المخلصين-قادرة على تجاوز كل موج، والوصول إلى برّ الازدهار والكرامة.
فالوطن مسؤولية الجميع.. وكنزه لن يُستخرج إلا بأيديهم جميعاً.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة