مقال| السياحة.. بين ضرورات اللحظة وتخوّفات المستقبل

د. قاسم بن محمد الصالحي|

في زمنٍ تتسارع فيه الخطى، وتتبدل فيه ملامح العالم من حولنا، تقف السياحة في سلطنة عُمان عند مفترق طرق شديد الحساسية؛ فثمّة ضرورة تنموية تفرض حضورها بقوة، وثمّة خصوصية مجتمعية تخشى أن تُمسّ أو تُساوَم. وبين الضرورتين تتولد أسئلة النهار، وتتردد هواجس الليل: كيف نجذب العالم إلى جمالنا دون أن نفقد جمالنا؟. وكيف نفتح النوافذ دون أن تتسرب من خلالها رياح لا نقوى على احتمالها؟.

السياحة ليست فندقا يُشاد، ولا لوحة ترويج تُعلَّق، بل هي حالة اجتماعية تنفتح على الآخر بمقدار ما تنفتح على الذات. وهي، قبل كل شيء، مرآة لثقافة المجتمع وأخلاقه وطبائعه. ولهذا فإن مجتمعاً كالعُماني، بعمقه الأخلاقي وهدوئه الفطري، لا يخاف من السياحة، بل يخاف على السياحة؛ يخشى أن تتحول من فرصة إلى فوضى، ومن نعمة إلى عبء، إذا لم تُصغ الهندسة بدقة، وإذا لم يُحكم الميزان بين ما نحتاجه وما نخشى عليه.

نعم، نحن نريد سياحة تُنشّط الاقتصاد، وتفتح أبواب الرزق، وتمنح شباب الوطن سُبُل عمل واسعة. نريد أن يرى العالم جبالنا وودياننا وبحارنا وقلوب الناس هنا. ولكننا نريدها كذلك سياحة تحترم إيقاع المكان، ولا تهزّ قيمه، ولا تمسّ نقاء مجتمعه الذي صانته قرون طويلة من الانفتاح الراشد لا الانفلات المتهور.

التخوف الحقيقي ليس من السائح، بل من غياب الرؤية. فالسائح يقصد المكان بما هو عليه، لا بما يُراد له أن يكون. يأتي منجذباً للبساطة التي نحيا بها، للأمان الذي يسكن طرقاتنا، للحياء الذي تتلفّع به بيوتنا وأسواقنا. وإذا ما فقد المكان هذه الروح، فلن يبقى للسائح ما يبحث عنه، وسنخسر بذلك السوق والهوية معاً.

إن المعضلة ليست في فتح الأبواب، بل في كيفية ضبطها. ليست في استقبال العالم، بل في استقبال أفضل ما فيه. ليست في الترويج للمكان، بل في صون روحه من الابتذال.

ومن هنا تصبح “السياحة المسؤولة” ليست شعاراً تنموياً، بل اتفاقاً اجتماعياً يجعل المجتمع شريكاً لا متفرجاً، وصاحب قرار لا قلقاً صامتاً. تصبح القوانين جزءاً من نسيج ثقافي، لا مجرد ورق على رف؛ وتصبح إدارة السياحة فنّاً في المواءمة بين حركة الاستثمار وحكمة المجتمع.

بين ضرورات اللحظة التي تدفعنا لفتح الأبواب، وتخوّفات المستقبل التي تدعونا لصون البيت، علينا أن نتذكر أن التوازن ليس خياراً، بل ضرورة وجودية. فالوطن الذي يعرف كيف يُحسن استقبال ضيوفه، هو نفسه الوطن الذي يعرف كيف يحرس قيمه، وكيف يبني غداً لا يشبه مخاوفه، بل يشبه طموحاته.

هذه هي معادلة السياحة في عُمان: أن نحافظ على خصوصيتنا دون أن نغلق أبوابنا، وأن نفتح أبوابنا دون أن نفرّط في أنفسنا.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*