مقال| حين يختبئ العدل خلف الغبار

د. قاسم بن محمد الصالحي|

لم يكن جدّي ـ ذلك الشيخ الذي كانت ملامحه تجمع بين حكمة الجبل وطيبة السهل ـ يكثر الكلام، لكنه كان إذا نطق ترك في الذاكرة أثراً يشبه أثر المطر الأول في أرض عطشى. من بين ما بقي عالقاً في ذهني قوله الذي يتردّد في وجداني كلما رأيت حكماً متعجّلاً في مجالس الناس أو في وسائطهم: يا بُني.. لو دريتَ بعلّتي ما جلستَ تحت ظلّتي”.
كان يقولها حين يراه أحدنا وقد اعتزل في زاويته، متكئاً على عصاه، كأنه يجرّ من خلفه أثقال الزمن كلها. لم يكن ذلك اعتزالاً استعلائياً، بل كان هروباً لطيفاً من ضجيج أحكام البشر.. تلك الأحكام التي تُطلق قبل أن تسمع، وتدين قبل أن تفهم، وتبني قناعة من نصف صورة أو نصف قصة. كأنّ المجتمع ـ في كثير من الأحيان ـ يمشي بعين واحدة ويريد رؤية الحقيقة كاملة.
ومع الأيام، أدركت أن مقولة جدّي ليست مجرد حكمة عابرة، بل هي تشريح دقيق لطبيعة بشرية شائعة: النظر إلى الظاهر، وإهمال العِلّة، والركون إلى الحكم السريع الذي يريح الذهن ولا يُنصف الواقع.
فالناس اليوم، على اختلاف مشاربهم، أصبحوا يُصدرون أحكامهم على المال دون معرفة مصادره، وعلى الحال دون فهم ظروف صاحبه، وعلى الوضع دون الإحاطة بخلفياته. يظنّون أنّ الرفاه سهل المنال، وأن الضيق ناتج عن تقصير، وأن النجاح حكر على الحظ، وأن الفشل دليل ضعف.. وكأنّ أعماق النفوس مكشوفة لهم، وكأنّ الأقدار تُدار على مرأى منهم.
يتذمر البعض من العدالة بين الناس، يشتكون من غياب الشفافية في القرارات، أو من تفاوت الفرص، أو من شعور عام بأن “فلاناً نال ما لا يستحق” و”فلاناً حُرم مما يستحق”. لكن كثيراً من هذا التذمّر يُصاغ على عَجَل، دون أن يقف أحدهم لحظة ليسأل: هل نعرف القصة كاملة؟.
هل نرى العِلّة أم أننا نقف فقط تحت الظلّ ونلوم الشجرة؟.
المفارقة التي تكشفها الحياة يوماً بعد يوم أنّ خلف كلّ وضع نراه، ظروفاً لا نعرفها.. وخلف كلّ مالٍ نحسد صاحبه، مسؤوليات لم نتحمّلها.. وخلف كلّ نجاحٍ نتساءل عن مصدره، تعباً لم نشهده.. وخلف كلّ ضيقٍ نُعلّقه على شماعة التقصير، معارك خفية لم نحضرها.

إنّ المجتمع الذي يُكثر من الأحكام السريعة يصبح مجتمعاً مرهقاً، مشدود الأعصاب، منشغلاً بغيره أكثر من انشغاله بذاته. تُصبح العدالة كلمة ثقيلة، والإنصاف مطلباً مستحيلاً، والشفافية شماعة جديدة للتذمر لا سلوكاً يُمارس على كل المستويات. والحقيقة أنّ العدالة لا تُبنى بكثرة الاعتراض، بل بكثرة الفهم. والإنصاف لا يتحقق برفع الصوت، بل بترويض الأحكام.
والشفافية لا تبدأ من المؤسسات فحسب، بل من ضمير كل فرد قبل أن يلوم غيره.
قال جدّي ذات مساء، وكان يأخذ نفسًا عميقاً كأنه يفتح نافذة في صدره: “من استراح في الحكم على الناس، تعب الناس منه.. ومن تعب قبل أن يحكم، استراح له الناس”. وكان يشير بعصاه إلى الأفق، ثم يضيف: “العدل يحتاج عينين يا بُني، لا عيناً واحدة”.

وهكذا تعلّمت منه أنّ التدقيق ليس فضيلة إدارية فقط، بل فضيلة إنسانية. وأنّ المجتمع الذي يُنصف بعضه بعضاً يتقدّم، أمّا المجتمع الذي يكتفي بالظلال دون أن يعرف العلل.. فيبقى يدور حول نفسه، يشكو ولا يُصلح، ويحكم ولا يتفحّص، ويغضب دون أن يتحقق.
ولعلّ رسالته اليوم، بعد كل هذا الزمن، لا تزال هي ذاتها: لا تُصدروا أحكاماً من ظلّ الشجرة.. فقد يكون جذعها مثقوباً بما لا ترونه.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*