مقال| حين تمضي الشعوب مثقلة بالصخور ولا تتوقف عن السير

د. قاسم بن محمد الصالحي|


كان المشهد أشبه برحلة طويلة فوق طريق غير مُعبّد؛ يمضي فيها المجتمع وهو يحمل على ظهره صخوراً من كلام الناس، وتشكيكاتهم، واتهاماتهم الجاهزة.. غير أنّ الأثقل من كل ذلك كان ذلك العبء الخفي: انتظار الحلول من دون أن يشارك أحد في بنائها، وكأن الخلاص يولد من فراغ.

في عمق الأزمة العالمية، تتشابه الوجوه وتختلف الطرق. البطالة ليست رقماً يُعلن في نشرة الأخبار، بل قلق يومي، ووجع يتشقق في البيوت. لكنّ المجتمعات التي تنهض ليست تلك التي تهرب من المرآة، بل التي تتجرأ على النظر فيها. ففي كل أزمة، يتجاور سؤالان: ماذا ستفعل الدولة؟. وماذا سنفعل نحن؟.

ليس سراً أن الحلول الجذرية تبدأ من الداخل، من وعي وظيفي وتنفيذي يقرأ التوجهات لا بعين المرتاب، بل بعين المشارك. ومن ضمير مجتمعي يعترف بأن الإصلاح لا يخص وزارة أو لجنة أو قراراً، بل شبكة واسعة تمتد من مسؤول مكتب صغير إلى صاحب رأي يُطلق كلماته في مقهى المساء.

على المدى العاجل، يمكن تخفيف وقع البطالة بتسريع المشاريع المتعثرة، وتحريك فرص العمل المؤقتة، وإعادة تدوير المهارات. وعلى المدى المتوسط، تتشكل حلول أكثر رسوخاً: اقتصاد متنوع لا يخاف أن يجرّب، وقطاع خاص يرى في المواطن قيمة لا حملًا. أما البعيد، فهو الأهم: إعادة صياغة علاقة المجتمع بالعمل ذاته؛ علاقة تُقدّر الإتقان، وتحب الاجتهاد، ولا تستسلم لثقافة التذمر التي لا تُشغّل أحداً ولا تبني شياً.

في النهاية، ليست الأزمات هي ما يهزم الشعوب، بل الشعور بأن أحداً غيرهم يجب أن يزيح الصخور عن الطريق. أما الذين يعرفون أن المشي رغم الأحمال فضيلة، وأن الكلمات الثقيلة يمكن أن تُترك خلفهم مثل حجارة على جانب الدرب، فهم وحدهم القادرون على الوصول.
هكذا تتجاوز الأمم أزماتها: بخطوة واعية، وكتف تشارك، وصوت لا يزيد العتمة، بل يُشعل قنديلًا صغيراً في آخر الطريق.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*