د. قاسم بن محمد الصالحي|
حين تمشي عُمان على خيط الضوء، لا تميل إلى الشرق ولا تنحاز إلى الغرب، بل تختار موطئها الخاص بين الجهات، حيث تتوازن الخطوات وتتعانق المصالح دون أن تتصادم. فالعُمانيون، منذ أن سكنت الحكمة سواحلهم، تعلّموا أن البحر لا يخصُّ أحداً، وأن الرياح إنْ جُنّت يوماً لا تُقاوَم بالقوة بل تُستوعَب بالحذر، وأن الشراكة الحقة لا تُبنى على الانفعال، بل على الوعي والاحترام.
هكذا كانت عُمان، وهكذا تمضي اليوم في عهد السلطان هيثم بن طارق المعظم، حفظه الله ورعاه، تُعيد صياغة النهضة بروحٍ متجددة، تستلهم من قول السلطان الراحل قابوس بن سعيد، طيّب الله ثراه، “نسعى إلى أن تكون لنا علاقات طيبة مع جميع دول العالم، فلا عداوات دائمة ولا صداقات دائمة، وإنما مصالح دائمة قائمة على الاحترام المتبادل”. تلك العبارة التي تحوّلت من قولٍ إلى نهج، ومن مبدأ إلى سلوكٍ يومي في السياسة والاقتصاد والثقافة.
في حراك السلطان هيثم الدبلوماسي، تتجلّى صورة هذا الامتداد الهادئ، حيث تتحول الزيارات المتكررة إلى رسائل صامتة تقول إنّ التوازن هو طريق البقاء. فعُمان لا ترفع صوتها في أسواق السياسة الصاخبة، بل تكتفي بأن تكون ميزاناً يُعاد إليه العقل حين يختلّ الميزان.
سياسياً، تزرع السلطنة صداقات في كلّ القارات، دون أن تفقد استقلال قرارها. تفتح أبوابها لكلّ من يريد شراكة تقوم على الحوار لا الوصاية، وعلى المصالح المتبادلة لا التبعية. وهي في ذلك تمارس الدبلوماسية لا كحرفةٍ رسمية، بل كفنٍّ إنساني يتقن الإصغاء ويُحسن الفعل.
اقتصادياً، تنفتح عُمان على المستقبل بوعيٍ لا يُفرّط في الأصالة، فتنوّع مصادر دخلها، وتستثمر موقعها الجغرافي بوصفه نقطة تلاقٍ بين المحيطين الهندي والعربي. مشاريع الموانئ والمناطق الحرة والطاقة المتجددة ليست مجرد أرقام في التقارير، بل هي شرايين لنهضةٍ جديدة تتنفس من رئة الابتكار، وتضخ الحياة في اقتصادٍ يريد أن يكون مرناً، مستداماً، ومرتبطاً بالعالم دون أن يذوب فيه.
وفي السياحة، تُطلّ عُمان على العالم كحكايةٍ تُروى لا كوجهةٍ تُزار. من جبالها إلى أوديتها، من قلاعها إلى مدائنها الحديثة، تبني تجربة تجمع بين سكينة الشرق وأناقة العالم. إنها سياحة الوعي، حيث الجمال ليس سلعة، بل جسر بين الإنسان والمكان.
أما ثقافتها، فهي مرآة لوجهها الإنساني العميق؛ تمتد جذورها في أرض التاريخ، لكنها ترفع أغصانها إلى سماء المستقبل. فالمعارض والملتقيات والمهرجانات التي تحتضنها البلاد ليست ترفاً فنياً، بل أدوات حوارٍ عالمي تُعرّف بالهوية وتحتضن الآخر في آنٍ واحد.
وهكذا تتجلى النهضة المتجددة في شراكاتٍ تبني جسور المستقبل، وتثبت أن التوازن ليس حياداً بل بصيرة، وأن عُمان ما زالت تمشي بثباتٍ وسط العواصف، تحمل مشعل الحكمة في يدٍ، ومفاتيح التنمية في الأخرى، لتبقى كما أرادها التاريخ: صوت العقل في زمن الضجيج، ووجه السلام في عالمٍ تتقاذفه الأهواء.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة