مقال | عندما يبزغ الفضاء بحلول ابتكارية من إبراء: هاكثون تحدي ناسا لتطبيقات الفضاء 2025

د. ناصر بن علي الجهوري|

dr.nasser.aljahwari@gmail.com

تواصل سلطنة عُمان حضورها النوعي في مشهد الابتكار العالمي، من خلال استضافة جامعة التقنية والعلوم التطبيقية لهاكثون تحدي ناسا لتطبيقات الفضاء 2025، في ولاية إبراء يومي 4 و5 أكتوبر 2025، تحت الشعار الملهم: “تعلّم، أطلق، قد”.

وتُعدّ هذه التظاهرة العلمية جسرا معرفياً وإنسانياً يربط شباب سلطنة عُمان بالعالم، عبر منافسات برمجية تجمع المبدعين من مختلف القارات، حيث يتعاون المشاركون في مئات المدن مستخدمين البيانات المفتوحة لوكالة الفضاء الأمريكية (ناسا) وبالشراكة مع خمس عشرة وكالة فضاء دولية، لتطوير حلول تقنية مبتكرة تُسهم في معالجة تحديات الأرض والفضاء.

منذ انضمام السلطنة إلى هذه المبادرة الدولية، أصبحت محافظة شمال الشرقية، ممثلة في فرع الجامعة بإبراء، محطة متجددة للابتكار والإبداع في مجال حلول الفضاء. فقد أثمرت مشاركة عام 2024 عن إنجازات عالمية، حيث تمكنت خمس فرق عُمانية من تحقيق حضور مشرّف في التصفيات النهائية والفوز بإحدى الجوائز المرموقة، إلى جانب زيارة وفد عُماني إلى مركز كيندي للفضاء ومقر ناسا في هيوستن بالولايات المتحدة الأمريكية. وقد أسهم ذلك في تعزيز الثقة بالتجربة العُمانية، وترسيخ مكانتها كمركز حيوي لصناعة الأفكار الإبداعية.

وتكتسب نسخة هذا العام طابعًا استثنائيًا بفضل إطلاق إحدى عشرة فعالية مصاحبة، من أبرزها تحدٍ علمي محلي بالشراكة مع الجمعية العُمانية للفلك والفضاء بعنوان فهم الشمس: من التوهجات الشمسية إلى الطقس الفضائي. وهكذا يلتقي أصالة الإرث التاريخي العُماني بعالم الابتكار الحديث؛ فكما كان الأجداد يسترشدون بالنجوم لتوجيه رحلاتهم، يوظّف الشباب اليوم بيانات الفضاء في ابتكارات رائدة.

هيأت الجامعة بيئة محفِّزة من خلال برامج تمهيدية وورش تدريبية امتدت طوال شهر سبتمبر، إضافةً إلى جلسات عبر المنصات الافتراضية، بهدف تزويد المشاركين بالمهارات والأدوات اللازمة. وتضم المنافسة (85) فريقاً وأكثر من (500) مشارك من مختلف شرائح المجتمع، بالإضافة إلى مشاركة فريق دولي من جزيرة زنجبار لأول مرة.

وبينما تتوزع فرق العمل داخل قاعة الحدث، كانت شاشات الحواسيب تضيء بألوان البيانات والخرائط الفضائية. وما زلت أذكر قول أحد المشاركين في العام الماضي: أشعر وكأنني ألمس النجوم بأفكاري، فكل خلية عمل تنبض بالطموح والإصرار على تقديم حل يُحدث فرقاً حقيقياً. إنه مشهد يجسد الطاقة الإيجابية لجيل يصوغ المستقبل من قلب عُمان.

تنسجم استضافة هذه المبادرة مع رؤية عُمان 2040، التي تؤكد على تعزيز الابتكار والاقتصاد المعرفي. كما تهدف إلى تحفيز منظومة الابتكار والإبداع عبر تطوير حلول عملية للقضايا الكونية، وتبادل المعرفة على المستويين المحلي والعالمي، وتأسيس شركات ناشئة جديدة في تقنيات الفضاء والاستكشاف من خلال دعم مشاريع ومبادرات وأفكار المشاركين.

كما تفتح الفعالية آفاقاً جديدة للسياحة النوعية المرتبطة بالفلك والفضاء، بفضل سماء السلطنة الصافية وصحاريها الشاسعة وجبالها الشامخة، لتغدو وجهة تجمع بين التعليم والابتكار والسياحة، ومثل هذا النوع من السياحة يجذب اهتمام الملايين حول العالم.

رغم الإشادة بالنجاحات السابقة والإنجازات الراهنة، يبقى من الضروري تسليط الضوء على ما بعد الهاكثون، أي كيفية تحويل الأفكار المبتكرة إلى مشاريع قابلة للتطوير والاستدامة. فالتجربة لا تكتمل إلا عند ربط الابتكارات بالاحتياجات العملية للمجتمع والاقتصاد الوطني، مع استشراف آفاق التطبيقات التكنولوجية المستقبلية، مثل الذكاء الاصطناعي واستكشاف الفضاء في خدمة الإنسان.

ورغم ما تتطلبه هذه الفعاليات من استعدادات لوجستية وتقنية، فإن قيمتها المضافة تفوق التحديات. فالتفاعل مع بيانات ناسا والعمل ضمن شبكات عالمية من العلماء والمبتكرين والشباب يمنح شبابنا نافذة أوسع على المستقبل، ويتيح لهم أن يكونوا شركاء حقيقيين في صياغة حلول الغد. ولا يقتصر أثر التجربة على يومَي الهاكثون فحسب، بل يمتد إلى ما بعدهما، حين تُلتقط المشاريع الواعدة وتتحول إلى مبادرات قابلة للتطوير والاستدامة.

وفي ختام هذا المشهد العلمي والإنساني، يتجلّى المعنى الأسمى لهذه التظاهرة، إن بزوغ الفضاء بحلول ابتكارية عمانية عبر بوابة إبراء إلى العالمية يبرهن أن المعرفة بلا حدود، وأن الطموح إذا اقترن بالعلم والعمل قادر على معانقة السماء. ومن هذا المنطلق، يشكّل هاكثون ناسا 2025 علامة مضيئة في مسار الابتكار الوطني، ورسالة واضحة مفادها أن عُمان، بعقول شبابها، شريك فاعل في الحوار العالمي حول مستقبل الأرض والفضاء.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*