د. قاسم بن محمد الصالحي|
كثيراً ما نُفيق في مجتمعاتنا على قصص تتداولها الألسن حول شركات استثمارية أو تسويقية، تبدأ ببريق الوعود وتنتهي بصدى الخسارات. وما قصة “كو شوبينج” التي شغلت الناس في الأيام الماضية إلا مثال حيّ لما يتكرر في دورات متشابهة؛ اندفاع واسع، ثم تساؤل متأخر، وأخيراً جدل مجتمعي يختلط فيه اللوم بالتبرير، والتبكي على ما ضاع.
الحقيقة أن ما جرى ليس مجرد حادثة عابرة في سوق محدود، بل انعكاس لخلل أعمق في معادلة الثقة والوعي، فالمسؤولية موزعة بين ثلاثة أطراف لا يمكن إعفاء أي منها؛ المروّجون وأصحاب المحتوى الذين زيّنوا للناس عوائد غير واقعية وسرديات مضخّمة، يتحملون وزر التضليل؛ والمستثمرون الأفراد الذين تهافتوا دون تحقق أو تمحيص، شاركوا بحماسهم غير المحسوب في صناعة الوهم؛ أما الجهات الرسمية فإنها تتحمل واجباً لا يقل شأناً، وهو اليقظة المبكرة والرقابة الوقائية، لا الاكتفاء بردود الفعل بعد أن تتكشف الحقائق.
إن الاقتصار على تحديد “من المخطئ؟.” لا يكفي لفهم ما وقع. فالمشكلة في جوهرها تكمن في غياب وعي استثماري راسخ، وافتقار الناس إلى ثقافة فحص العقود والأنشطة والتأكد من مشروعيتها. كما تكمن في بطء أجهزة الضبط في اللحاق بالأساليب الجديدة للتسويق الرقمي التي تسبق القوانين التقليدية بخطوات. وما بين هذا وذاك، تتسع الفجوة ليُعاد المشهد ذاته: عناوين براقة، ثم أموال مجمدة، ثم جدل عام بعد فوات الأوان.
المطلوب اليوم ليس جلد الذات، بل إعادة ترتيب العلاقة بين الأطراف الثلاثة: أن يلتزم المروجون بالشفافية والمصداقية، وأن يتعلم الأفراد أن الاستثمارات لا تُقاس بالوعود بل بالوقائع والأرقام، وأن تتحرك الجهات الرسمية بسرعة لتجديد أدواتها الرقابية، وتضع خططاً للتثقيف الاستثماري العام كما تضع أنظمة للحماية القانونية.
ولعلّ ما قاله جلالة السلطان هيثم بن طارق المعطم، حفظه الله ورعاه، يضع النقاط على الحروف، حين أكد على «ضرورة تحمّل كل فرد ومؤسسة لمسؤولياته، والرقابة الذاتية قبل الرقابة الرسمية، فذلك هو صمام الأمان لحماية المكتسبات». وهي كلمة جامعة تصلح أن تكون بوصلة لمثل هذه القضايا، التي لا يحسمها العتب ولا الجدل، بل تحسمها المسؤولية المشتركة والوعي المبكر.
وعلينا كمجتمع أن نتذكر أن الوقاية خير من العويل بعد السقوط. فالتباكي لا يعيد الأموال، وإنما الوعي واليقظة هما اللذان يحولان دون تكرار المشهد. وإنّ الإصلاح في هذا الباب يبدأ من الداخل، من ثقافة الفرد والأسرة، قبل أن يُعهد به إلى المؤسسات.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة